قصة فتاة حطّمت عائلتها على المنصّة بكلمة واحدة
كله اتسع فجأة بعد أن كنت محصورة في دائرة ضيقة من التوقعات والضغوط. خطواتي على الممر كانت ثابتة ووشاح التخرج خلفي يرفرف مع كل خطوة كأنني أترك وراءي سنوات طويلة من الصمت.
سمعت الهمسات من الداخل تتضخم وسمعت اسمي يتردد بين الممرات. لكني لم أتوقف. لم ألتفت. لم أرد أن أرى ردود فعلهم. كان يكفيني أنني قلت الحقيقة وأن صوتي الذي حاولوا إسكاته طوال عمري خرج أخيرا واضحا صريحا لا يخاف أحدا.
بعد خطوات قليلة تلاشت ضوضاء القاعة وأصبحت وحدي في مواجهة مستقبل لا أعرف ملامحه بعد. حملت في يدي ملفا صغيرا نفس الملف الذي احتفظت فيه بكل أوراق المنحة وكل الإيصالات التي استخدمتها لسداد ديون والدي. لم يكن الملف مجرد ورق كان قصة أربع سنوات عشتها صامتة أتحمل فيها الكثير دون أن يسمعني أحد.
وقفت عند حافة الدرج وسمحت لنفسي للمرة الأولى أن أتنفس بعمق. شعرت أن الهواء يدخل صدري بطريقة جديدة كأنه حرية طال انتظارها.
صوتي الداخلي ذلك الذي خفته كثيرا بدأ يتحدث.
كان يقول لي بوضوح
لقد أرادوك أن تكوني نسخة مصغرة منهم. أرادوك أداة لا إنسانة.
تذكرت كل لحظة حاولوا فيها التقليل من جهدي كل مرة قالوا إن مايا تحب الظهور لذلك يجب أن تحصل على الفرص وكل مرة طلبوا مني التضحية لأنني الأكبر والأكثر قدرة على التحمل. كنت أصدق ذلك وأسكت وأراكم الألم دون أن أتكلم.
لكن هذا اليوم يومي أنا كان اللحظة التي تحولت فيها تلك الوعود الضمنية إلى جرح واضح. طلبهما أن أتنازل عن كلمة التخرج لم يكن مجرد ظلم كان إعلانا صريحا بأن قيمة إنجازي لا تساوي شيئا عندهما.
وبينما أقف أمام الدرج تذكرت كيف كانت الليالي تمر علي وأنا أدرس بينما مايا تخرج مع صديقاتها. تذكرت كيف كان والداي يكتفيان بإيماءة باردة عندما أعطيهما درجاتي العالية بينما يفتخران بصور مايا مهما كانت بسيطة. تذكرت أيضا اللحظة التي اكتشفت فيها قبول المنحة وكيف بكيت فرحا وحدي في غرفتي دون أن أجرؤ على مشاركة الخبر.
كانوا سيمنعونني لو علموا. كانوا سيعتبرون المنحة معارضة لخطتهم. لذلك احتفظت بالأمر لنفسي وبدأت أصنع مستقبلي بصمت.
نزلت عدة درجات
تابعت طريقي إلى الخارج حيث الأشجار تصنع ظلا خفيفا على الممشى. هناك بعيدا عن القاعة سمحت لنفسي بالتفكير في القادم.
كنت أعرف أن ما فعلته سيغير الكثير. علاقتي بعائلتي لن تعود كما كانت وربما ستنقطع تماما. سيغضبون سيتهمونني وربما سيحاولون تبرير موقفهم أمام الآخرين. لكن المشكلة أنني لم أعد أهتم. لم أعد أبحث عن رضاهم.
لأول مرة كنت أبحث عن نفسي فقط.
اقتربت من مقعد خشبي تحت شجرة كبيرة وجلست. أخرجت هاتفي فوجدت عشرات الرسائل من زميلات وزملاء كلها تهنئة ودعم. رسالة من أستاذتي المشرفة على بحثي تقول فيها
فخورة بك على تفوقك وعلى شجاعتك اليوم.
ابتسمت. لم أكن أعرف أن كلمات بسيطة قد تحمل هذا القدر من القوة.
لكن ما لفت نظري فعلا كان إشعارين من والدي. لم أفتحهما. وضعت الهاتف جانبا. لم أكن مستعدة لسماعهم. اليوم لم يكن
رفعت رأسي إلى السماء وقلت لنفسي بصوت خافت
لقد اخترت نفسي أخيرا.
كانت جملة بسيطة لكنها حملت معنى كبيرا. معنى أنني لم أعد أرغب في أن أكون ظلا لمايا أو انعكاسا لطموحات والدي. معنى أنني قررت أن أعيد بناء نفسي كما أريد لا كما يريد الآخرون.
أغمضت عيني للحظة وشعرت براحة عميقة. كل ما حدث كان مؤلما لكنه كان ضروريا. أحيانا يحتاج الإنسان إلى صدمة كي يعرف مكانه وإلى خسارة كي يرى قيمته الحقيقية.
وقفت من جديد وتركت مقعد الشجرة خلفي. كنت مستعدة للمشي نحو مستقبل لا أعرف تفاصيله لكنه على الأقل مستقبل أختاره بنفسي.
مررت بجانب البحيرة الصغيرة داخل الحرم الجامعي ورأيت انعكاس صورتي على سطح الماء. كانت عيني أكثر ثباتا أكثر قوة. شعرت بالفخر ليس فقط لأني الأولى على دفعتي بل لأنني واجهت أكبر مخاوفي أن أقول لا لمن اعتدت أن أقول لهم نعم.
تابعت السير بثبات وشعرت أن العالم أخيرا يتسع لي.
لم يكن هذا اليوم مجرد حفل تخرج.
كان بداية حقيقية.
وكانت البداية تحمل وعدا واحدا
لن أسمح بعد اليوم أن يأخذ أحد ما بني بجهدي.
لن
بل نفسي فقط.