أرفض طفلي الخامس… حتى جعلني الله أراه بنور آخر
عمره الصغير، وكأنه خرج من تلك التجربة الأولى وهو يحمل في قلبه أثرًا من نورٍ ربّاني لا يراه إلا من عاش قربه.
كان يسألني أحيانًا بصوته الرقيق:
«يا أبي… لماذا كنتَ غاضبًا حين جئتُ إلى الدنيا؟»
وكان السؤال يمزّقني من الداخل، فأضمه إلى صدري وأقول:
«يا يوسف… أنت أجمل هدية أعطاها الله لي.»
فيبتسم تلك الابتسامة التي تشبه اعترافًا يعرفه هو أكثر مما أعرفه أنا.
وذات يوم، حين بلغ يوسف خمس سنوات، وقع أمرٌ لم يخطر ببالي.
كنت في طريق العودة إلى البيت حين رنّ هاتفي، وكان صوت المعلمة مزيجًا من القلق والحيرة:
«أستاذ أحمد… يوسف قال شيئًا غريبًا. نحتاج حضورك فورًا.»
تجمّد الدم في عروقي.
هرعتُ إلى المدرسة، وهناك رأيت يوسف جالسًا في زاوية الساحة، ينظر إلى السماء كما لو كان يقرأ في غيومها معنى لا نعرفه.
جلست بجانبه وسألته برفق:
«ما الذي فعلتَه يا يوسف؟»
التفت إليّ وقال ببساطة لا تشبه بساطة
«يا أبي… قلتُ للمعلمة إنّ الله أنقذني لأكون سببًا في أن تعود إلى الصلاة من جديد.»
قلتُ لنفسي: كيف يفهم؟
كيف يشعر؟
كيف يجمع هذا الصغير بين البراءة والبصيرة في قلب واحد؟
في تلك اللحظة أدركت أن يوسف لم يكن مجرد طفل عاد من شفا حفرة، بل كان رسالة كاملة…
رسالة جاءت لتوقظ قلبًا نام طويلًا.
لكن الابتلاء لم ينتهِ بعد.
فبعد أشهر قليلة بدأ يوسف يشكو من آلام خفيفة، ثم من تعب لا تفسير له.
وخفتُ… خفتُ كما يخاف الأب الذي ذاق مرارة الخسارة ولم ينسَ طعمها.
وضعتُ كفي على رأسه وسألته:
«ما بك يا يوسف؟»
ابتسم رغم الإرهاق وقال:
«أنا بخير يا أبي… أنت فقط خائف. لا تخف… الله معنا.»
كلماته كانت كالسكين… لكنها كانت السكين التي تشقّ الطريق للنور.
تتابعت الفحوصات، وفي النهاية جاءت النتيجة كأنها هبة جديدة:
كِليتاه سليمتان… بلا أثرٍ لأي مرض، كأن يدًا خفية أعادت خلقهما من جديد.
كانت تلك هي المرة
كبر يوسف، وكبُرتْ معه أشياء كثيرة بداخلي.
صار البيت أكثر دفئًا، وصرتُ أنا أكثر امتنانًا.
كنتُ أستيقظ كل صباح وأنا أشعر أن الملائكة تحرس نوافذنا، وأن رحمةً ما تخيّم فوق رأس هذا الطفل.
وكلما رأيته يلعب أو يضحك أو يتسابق مع إخوته، قلتُ في نفسي:
«سبحان من يُحيي القلوب كما يُحيي الأجساد.»
ومع الوقت أدركت حقيقتين لم أكن أراهما من قبل:
أن يوسف لم يكن مجرد صفحة مؤلمة في حياتي…
بل كان الكتاب كله.
كان يقظة بعد غفلة، وعودة بعد تيه.
كان علامة على الطريق حين ظننت أن الطريق انتهى.
كان النبض الذي أعاد لحياتي لحنها، والنور الذي ملأ زوايا لم ألمسها من قبل.
كنتُ أراقبه وهو يركض في الممر فأشعر أن خطاه ليست خطوات طفل، بل طرقات على أبواب قلبي المغلقة.
وكنتُ أسمعه يضحك فأظن أن صوته ليس صوتًا عابرًا، بل صوت حياة تُبعث من جديد.
وحين كان ينام فوق
«يا أبي… ما ضيّعك الله يومًا.»
كنتُ أتساءل كثيرًا:
هل أنقذتُ يوسف بالدعاء؟
أم هو من أنقذني بالابتلاء؟
ثم أجد الجواب واضحًا أمامي:
لو لم يمرض يوسف… لما انكسر قلبي.
ولو لم ينكسر قلبي… لما رفعتُ يديّ إلى السماء.
ولو لم أرفع يديّ… لما عاد الطريق الذي فقدته بيدي.
كنتُ أنا الغائب… وكان يوسف هو الدليل.
كنتُ التائه… وكان يوسف العلامة.
كنتُ الذي تحجّر قلبه… وكان يوسف الماء الذي أعاد لي الحياة.
ولولا يوسف…
لولا تلك الليالي التي جلستُ فيها بجوار سريره أبكي…
لولا تلك اللحظة التي امتلأت فيها الغرفة برائحة الورد…
لولا ذلك الفجر الذي قال فيه الطبيب: «لقد عادت كِلتاه للعمل!»…
لولا كل هذا…
لما كنتُ أنا.
لما عرفتُ معنى الرحمة…
ولا طعم السكينة…
ولا نور الرجوع بعد طول البُعد.
يوسف لم يكن طفلي الخامس…
كان آيتي.
كان معجزتي.
كان بوابة الخلاص التي فُتحت أمامي
ولولا يوسف…
لما عاد قلبي…
ولما عادت روحي…
ولما عدتُ أنا.