علشان تدفع مصاريف علاج أخوها اللي في المستشفى
عادت صوفيا إلى عملها صباح اليوم التالي تحاول أن تتظاهر بأنّ أي شيء لم يتغيّر. كانت خطواتها ثابتة، لكن قلبها كان ممتلئًا بثقل لا تقدر على شرحه. زواجها من أليخاندرو تمّ كصفقة يائسة لإنقاذ يوليان، ومع ذلك لم تخبر أحدًا؛ لا صديقاتها، ولا زملاءها، ولا حتى جارها العجوز الذي يراها كل صباح ويبتسم لها كأنها ابنته. كانت تريد أن تُدفن تلك الليلة بكل تفاصيلها داخل أعمق مكان في ذاكرتها، دون أن تُفتح من جديد.
لكن بعد أسبوعين من ذلك الحدث الذي غيّر مجرى حياتها، وصلت إليها رسالة من قسم الموارد البشرية:
اجتماع عاجل مع المدير التنفيذي الساعة العاشرة تمامًا.
سقطت الورقة من يدها. شعرت كأن قلبها هبط إلى قدميها. عادت إليها المخاوف دفعة واحدة؛ ظنّت أنه ربما يريد فسخ الزواج فجأة، أو إجبارها على شيء آخر، أو التلميح بأنّ الصفقة لم تعد قائمة. تخيلت أسوأ السيناريوهات، وكلها كانت كابوسًا.
وقبل العاشرة بدقائق، وقفت أمام باب مكتبه، أخذت نفسًا عميقًا، ثم دفعت الباب ودخلت.
كان أليخاندرو واقفًا، وليس جالسًا خلف مكتبه كما اعتاد. بدا التوتر واضحًا على وجهه لأول مرة؛ لم تكن نظراته ثابتة، وكأنّ الكلمات التي يريد قولها أثقل من قدرته على حملها.
قال بصوت منخفض:
ــ "صوفيا… يجب أن نتحدث."
أغلق الباب
تنفّس بعمق، ثم قال:
ــ "منذ الليلة التي تزوجنا فيها… أنا لا أستطيع النوم. أشعر بأنني أخطأت بحقك. استغللت خوفك وضعفك، حتى لو كان ما فعلناه زواجًا شرعيًا. كنت رجلًا أقسى مما يجب، وأسوأ مما توقعت."
صمتت صوفيا طويلًا، غير قادرة على الرد. كانت نظراتها ثابتة على تعابيره التي تغيّرت بالكامل؛ لم يكن نفس الرجل البارد المتحكم الذي عرفته في مكتب الشركة أول مرة.
ابتلع ريقه، ثم تابع:
ــ "أريد أن أشرح شيئًا… ليس تبريرًا، بل اعترافًا. أنا لم أطلب الزواج منك بدافع رغبة أو طمع. كنت أحاول أن أعرف… هل ما زلت قادرًا على الشعور بأي شيء."
رفعت حاجبيها بصدمة. لم تفهم المعنى تمامًا.
قال بصوت مكسور:
ــ "منذ أشهر وأنا أعيش فراغًا غريبًا. لا سعادة، لا خوف، لا حزن… تحوّلت حياتي إلى جداول ومشاريع وأرقام. فقدت إنسانيتي دون أن أدري. ثم ظهرتِ أنتِ في مكتبي، تبكين من أجل أخيك… وكنتِ أول شخص يجعلني أشعر بالذنب بعد سنوات طويلة. الذنب جعلني… أستيقظ."
لم تكن صوفيا تريد أن تشعر بالشفقة عليه، لكنها رغم ذلك وجدت نفسها
تابع قائلاً:
ــ "أنا لا أطلب منك أن تعودي إليّ. ولا أطلب منك البقاء في هذا الزواج. أريد فقط فرصة لتصحيح ما ارتكبته. ليس بالمال، بل بما تستحقه أنتِ وأخوك."
كانت الرياح تهز ستائر النافذة خلفهما، وصوت المدينة يأتي بعيدًا مثل صدى. شعرت صوفيا أنها تقف في لحظة مفصلية، لحظة ستحدد بقيّة حياتها.
رفضت في البداية. انفجر غضب قديم داخلها، وتجادلا طويلاً؛ قالت له إنه لا يستطيع محو ما حدث، وإنّ الألم لا يُلغى بالاعتذار. لكنه لم يغضب، لم يرفع صوته، بل ظل مستمعًا، ثابتًا، كأنه يرى أخيرًا الإنسان الذي أمامه، لا الموظفة الصغيرة التي تمرّ بجانبه كل صباح.
ومع الأيام، وجدت صوفيا أنّ أفعاله ليست مجرد كلمات. أصبح يظهر في المستشفى يوميًا ليسأل عن يوليان، يجلس بجواره يقرأ له القصص، يتحدث مع الأطباء، يتكفل بالأدوية والعلاج دون أن يلمّح لشيء. أعاد ملفّها التدريبي ليصبح منصبًا مدفوعًا، وحرص على أن لا يقترب منها إلا إذا سمحت. مرة يبتعد، ومرة يقترب، دائمًا وفق راحتها، كما وعدها.
وتدريجيًا… بدأت ملامحه القاسية تلين. لم يعد ذلك العملاق الجليدي الذي لا يبتسم. صار يشبه رجلًا آخر تعلم كيف يرى
أما صوفيا، فقد تغيّرت بدورها. لم تعد الفتاة المكسورة التي دخلت مكتبه باكية. أصبحت أقوى، أكثر ثقة، وأكثر قدرة على الدفاع عن نفسها وعن الآخرين. أحست لأول مرة أنها صاحبة قرار، وأن زواجها الذي جاء اضطرارًا لم يعد قيدًا، بل احتمالًا مفتوحًا لمستقبل جديد إذا أرادت ذلك.
وفي يوم من الأيام، خرجت من المستشفى وهي تمسك بيد يوليان الذي بدأ يستعيد صحته شيئًا فشيئًا. كان يمشي بجوارها بابتسامة صغيرة، كأنّ الحياة بدأت تعود لجسده وروحه.
وعند الباب الخارجي، رأت أليخاندرو واقفًا ينتظر. كان يحمل ظرفًا صغيرًا بين يديه. اقترب خطوة ثم قال:
ــ "هذا آخر ما سأقدمه… وبعده القرار لكِ وحدك."
فتحت الظرف بهدوء. كان بداخله مستند رسمي من الشركة:
ترقية، وظيفة ثابتة، وراتب محترم، ومستقبل واضح.
رفع نظره نحوها وقال:
ــ "لن أتوقع منك شيئًا. إن أردتِ الخروج من حياتي… سأرحل دون كلمة. وإن أردتِ البقاء… فلن أقترب خطوة إلا إذا كانت نابعة من اختيارك."
وقفت صوفيا تحدّق فيه طويلًا. كانت تشعر أن الزمن توقف بينهما، وأن الطريق الذي بدأ بأسوأ لحظة في حياتها ربما لم يكن لعنة… بل بابًا لاكتشاف شيء أعمق.
تنفّست بعمق، ونظرت إليه بعينين ثابتتين، ثم أدركت أنّ النهاية التي ظنّتها مأساة… لم تكن سوى