طَرَدَ المليونير 37 مُربّية… إلى أن فعلت خادمةٌ واحدة المستحيل

لمحة نيوز

فوضاه ولم يهرب من جراحه ولم يتهرب من عيون البنات التي تخزن أكثر مما تستطيع طفلة تحمله.
ولأول مرة بدت الفوضى نفسها وكأنها تخطو خطوة إلى الوراء.
مضت الساعات الأولى من وجود لويا ببطء محسوب كأن الزمن نفسه يراقبها وهو يمشي على أطراف أصابعه يختبر كل حركة تصنعها وكل كلمة تنطقها كأن الصغير الذي تتفوه به سيصنع غدا مختلفا.
بعد جولة قصيرة في المطبخ ساعدت إيزابيلا على الجلوس أمام الطاولة الصغيرة قطعت ثمرة موز هرستها قليلا ثم وضعتها في طبق أبيض نظيف. كانت الصغيرة تمسك الشوكة بخجل تقلب الطعام كأنها تفتش فيه عن ظل أم غابت ثم نظرت إلى لويا نظرة خاطفة قبل أن تبدأ بالأكل لقمة بعد لقمة بخطى حذرة كمن يخشى أن يختفي الأمان في أي لحظة.
لويا لم تقل شيئا.
لم تثر انتباهها بأي حركة أو كلمة.
فقط جلست إلى جوارها وتركت بينهما مسافة تسمح للطفل بأن يرمم ثقته بالعالم وحده. ذلك الصمت الهادئ كان غريبا عن البيت بناته لم يعرفن هذا النوع من الصمت منذ أن غابت كلاريس عن حياتهن.
في تلك اللحظة كانت جوليا خلف الباب تراقب المشهد بعينين حمراوين من كثرة السهر والبكاء. لم تصدق ما تراه أختها الصغيرة تأكل دون انهيار دون صرخات دون رغبة في الهروب. وضعت يدها على فمها تخشى أن يسمع أحد شهقتها المدهوشة ثم عادت إلى غرفتها بخطوات خفيفة وهي تشعر بشيء يشبه الطمأنينة يتسلل إلى قلبها للمرة الأولى منذ شهور طويلة.
وفي الطابق العلوي كانت لورا واقفة أمام المرآة. تلمس الفراغ الصغير فوق أذنها الموضع الذي اعتادت أمها أن تجمع شعرها منه كل صباح وهي تهمس لها شعرك جميل مهما بدا جامحا.
رفعت لورا يدها نحو خصلة جديدة ثم توقفت فجأة كأن شيئا خفيا تغير في الصباح دون أن تنتبه إليه. تغير لا صوت له لكنه يلمع في المرآة كوميض سر دفين.
أما التغيير الحقيقي فقد بدأ بعد العصر بقليل.
طلبت لويا إذنا من ريكاردو كي تنظف غرفة الغسيل. وما إن دخلتها حتى أدركت أنها ليست مجرد غرفة غسيل بل غرفة جمد فيها الزمن منذ رحيل كلاريس.
رائحة عتيقة سلال ممتلئة بثياب لم تلمسها يد بشر منذ أشهر طويلة
وفوضى لا يجرؤ أحد على ترتيبها كأن ترتيبها خيانة لامرأة لم تعد موجودة.
وبين الثياب وجدت لويا قميصا ورديا صغيرا بدا وكأنه ما زال يحتفظ بظل عطر خفيف عطر يخص امرأة لم ترها من قبل لكنها شعرت فجأة أنها تعرفها.
توقفت يدها فوق القميص لثوان طويلة كأن لمسه يعني أن تقتحم ذكرى ليست لها وتنبش وجعا لم تعشه.
وضعت القميص جانبا ثم همت بمواصلة العمل لكن عينيها وقعتا على دفتر صغير مخبأ بين الثياب. ترددت.
ثم فتحته.
الصفحات مكتوبة بخط أنثوي دقيق رسائل قصيرة مبتورة يوميات لأيام لم تستطع صاحبتها أن تكملها.
وكل صفحة كانت تبدأ بجملة واحدة
إلى بناتي إن وقع شيء
ثم تتناثر الكلمات
ماريا أنت الأقوى.
جوليا لا تخافي من الليل فهو يمضي مهما طال.
إيزابيلا أحببت صوتك حتى قبل أن يولد.
لكن الصفحة الأخيرة حملت رسالة أخرى موجهة إلى شخص واحد
ريكاردو إن رحلت فسامحني. سامح البنات. الألم الذي سيبقى في قلوبهن لن يبرئه إلا يد حنونة شخص يدخل البيت بقلب صادق. ليس لي بديل لكني واثقة أن الله سيرسل لهن
وتوقفت الجملة عند سيرسل لهن
أغمضت لويا عينيها وشعرت بقشعريرة تسري في ظهرها.
كانت تمسك دفترا كتب قبل وفاة الأم بأسابيع قليلة كأن كلاريس كانت تخاطب اليوم الذي ستدخل فيه امرأة غريبة هذا البيت المكسور امرأة لم تتوقع يوما أن تحمل هذا القدر من الثقة على كتفيها.
أغلقت الدفتر برفق ووضعته في حقيبتها ليس إخفاء بل احتراما.
وما إن خرجت من الغرفة حتى فوجئت بأن البنات يقفن في الممر.
لكن للمرة الأولى
لم يكن في وجوههن تحد ولا فخاخ أطفال غاضبين.
بل شيء آخر مواجهة صادقة.
تقدمت ماريانا كتفاها مشدودان عيناها محمرتان من أثر بكاء حاولت إخفاءه.
قالت بصوت متردد يخرج من طفلة تتظاهر بالقوة
أنت لماذا لا تخافين منا لماذا لم تبكي لماذا لم تهربي مثل الأخريات
رفعت لويا رأسها ونظرت إليها بعينين ثابتتين وقالت بهدوء يشبه وعدا قديما
لأنني لا أرى فتيات شريرات بل أرى قلوبا تنزف.
تكسرت ملامح ماريانا للحظة.
كلمة قلوب أصابتها في بقعة لم تصل إليها أي كلمة من قبل.
أدارت وجهها محاولة
إخفاء رجفة شفتيها لكن دمعة أفلتت رغم إرادتها.
تابعت لويا بصوت أعمق
أنتن لستن مشكلة أنتن الحكاية كلها.
سقطت الجملة في الممر كما يسقط ضوء جديد في غرفة أغلقت سنوات طويلة.
تقدمت لورا خطوة لأول مرة دون خوف وقالت بصوت يرتجف
أمي كانت تقول هذا دائما.
كأن كلماتها أعطت الآخرين إذنا بالتقدم.
حتى التوأمتان اللتان اعتادتا الضحك لإخفاء الألم توقفتا عن المزاح للحظة واحدة كأن طفولتهما ضاعت ثم عادت في دقيقة واحدة.
ثم دوى صوت صغير من الخلف
لويا
كانت إيزابيلا.
ركضت نحوها ثم توقفت فجأة ورفعت يديها الصغيرة تطلب أن تحمل.
حملتها لويا دون تردد فالتفتت البنات إلى بعضهن وبدأت الدموع تتساقط منهن بصمت كأن وجود هذه المرأة أعاد للجرح القدرة على أن يشفى.
وفي تلك اللحظة ظهر ريكاردو عند باب الرواق.
كان يراقب المشهد بشهقة مكتومة كمن يرى شيئا خارقا.
كان يظن أنه فقد آخر خيط يصل بينه وبين بناته وأن القلوب الصغيرة لن تفتح بابها مجددا.
لكنه رأى الآن امرأة غريبة تكسر جدار الألم الذي عجز هو عن الاقتراب منه.
تقدم خطوة وصوته يخرج مبحوحا
ماذا فعلت لم يقترب أحد منهن بهذا الشكل منذ منذ وفاة أمهن.
لم تلتفت إليه.
ثم قالت دون أن تنظر
لم أفعل شيئا هن فقط كن ينتظرن أحدا يسمعهن لا أحدا يأمرهن.
لم يعرف ماذا يقول وكأن الكلمات هربت منه حين وقف أمام مشهد لا ينتمي إليه ومع ذلك كان يشعر بأنه يحتاج إليه أكثر من أي شيء عرفه في حياته. بدا البيت في تلك الليلة مختلفا ساكنا مطمئنا كأن جدرانه تنفست الصعداء بعد صراع طويل.
لم يرتفع صوت واحد.
لم تتفجر مشاجرة.
لم تتعثر خادمة في فخ جديد أو تنهار طفلة في نوبة خوف.
بل حدث ما لم يعتدوه منذ شهور طويلة
نامت البنات تحت بطانياتهن بطمأنينة حقيقية وكأن الظلام للمرة الأولى صار صديقا لا تهديدا.
وقبيل أن تغفو ماريانا ارتجفت جفونها فجأة فنهضت من سريرها بخفة تسابق فضولها. خرجت من غرفتها واتجهت إلى غرفة لورا. دفعت الباب بهدوء ورأت الصغيرة نائمة على جنبها وشعرة قصيرة مقصوصة حديثا ترتاح على خدها. كانت الخصلة الجديدة التي قصتها
ماريانا بيد مرتعشة تقبع على الوسادة لم تنتزع لم تلق فقط بقيت شاهدة على بداية ثقة خجولة.
طلت ماريانا على أختها بنظرة طويلة ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة كأن الليل أصبح أقل وحشة وأكثر إنسانية.
أما لويا فكانت جالسة في المطبخ تحت ضوء أصفر خافت تقلب صفحات الدفتر الذي كتبته كلاريس بيديها في سنوات كانت أثمن من الحياة ذاتها. شعرت بأن الأوراق بين يديها ليست مجرد كلمات بل أمانة عبء لم تطلبه لكنها لم تخش حمله لحظة واحدة.
أغلقت الدفتر ببطء وتركته على الطاولة الخشبية ثم سمعت خطوات مترددة تقترب.
التفتت.
كان ريكاردو.
وقف عند باب المطبخ يراقبها من بعيد كأنه يخاف أن يقترب من ذكرى زوجته أو من الواقع الذي يفرض عليه أن يبدأ من جديد.
قال بصوت منخفض يشبه اعترافا خرج رغما عنه
لم أرك يوما من قبل ولم أسمع صوتك إلا الليلة. ومع ذلك أشعر أن كلاريس كانت ستشكر وجودك.
رفعت لويا رأسها نحوه بعينين هادئتين ثم ردت بصوت لا يحمل ادعاء ولا زهوا
أنا هنا فقط لأعيد لهذا البيت نفسه لا أكثر.
تقدم خطوة كمن يبحث عن طوق نجاة ثم سأل بتعثر غير معتاد منه
وهل ستبقين هل تستطيعين
نظرت لويا نحو الردهة الطويلة حيث تتدلى صور كلاريس على الحائط ثم نحو الدرج الذي تنام خلفه ست قلوب صغيرة تحتاج إلى يد ثابتة . وبعد صمت قصير قالت بصوت أقرب إلى وعد منه إلى إجابة
نعم ما داموا يحتاجونني سأبقى.
لم يكن في نبرتها ذرة تردد. كان فيها يقين شخص عرف الألم جيدا فصار قادرا على إنارة طرق الآخرين به.
وفي صباح اليوم التالي حدث شيء لم يخطر ببال أحد.
حين استيقظت البنات تباعا امتزجت في المطبخ رائحة الخبز المنزلي تلك الرائحة التي لم تملأ المكان منذ عام كامل.
اقتربن واحدة تلو الأخرى وجلسن حول الطاولة الخشبية يراقبن لويا وهي تعجن العجين بيديها القويتين وترسم على وجهها ابتسامة خفيفة تمنحهم دفئا لم يعرفوه منذ رحيل أمهم.
كانت لحظة بسيطة لكنها أعلنت نهاية الحزن وبداية بيت جديد.
وريكاردو وهو يقف عند الباب يراقب المشهد لم يعرف ما الذي يحمله الغد لكنه كان واثقا من شيء واحد
أن الخادمة التي
جاءت لتنظف البيت
لم تنظف البيت فقط.
لقد أعادت الروح إليه.
وهكذا
انتهت القصة وبدأت حياة أخرى.

تم نسخ الرابط