دعا مليارديرٌ مجموعةً من العارضات لتختار ابنته منهنّ أمًّا… لكنها أشارت إلى الخادمة
دعا ملياردير مجموعة من العارضات لتختار ابنته منهن أما لكنها أشارت إلى الخادمة
كان الممر المذهب في قصر لانكستر يلمع تحت وهج الثريات البلورية كأنه يشهد حدثا يتردد صداه عبر الجدران لا عبر الهواء فقط وفي ذلك الهدوء المشحون وقف ريتشارد لانكستر الرجل الذي اعتادت الصحف الاقتصادية أن تصفه بالعبقري الحديديمتجمدا في مكانه كأن الزمن توقف عند حدود تلك الثواني
ريتشارد الذي لم يخسر صفقة منذ بداية مسيرته والذي كان يفاوض وزراء ورؤساء شركات عالمية برباطة جأش تثير الخشية في قلوب منافسيه لم يجد ما يهيئه للمشهد الذي تكون أمامه الآن
في وسط الأرضية الرخامية وقفت طفلته أميليا ذات الأعوام الستة بثوب أزرق سماوي يتمايل حولها كغمامة صغيرة فقدت طريقها كانت تضم دميتها القطنية إلى صدرها وترفع إصبعها الصغير بثبات غير متوقع نحو إحدى النساء الواقفات عند طرف القاعة
لم تكن تشير إلى إحدى العارضات الطويلات اللواتي دعاهم والدها خصيصا لذلك اليوم لم تكن تختار وجوها تتلألأ بالألماس ولا خطوات تتقن استعراض الجمال أمام عدسات الصحافة
لقد كانت تشير إلى كلارا الخادمة ذات الثوب الأسود البسيط والمريول الأبيض الذي تلطخ بخيوط الغبار ومسحات التعب
وقفت كلارا مذهولة وضعت يدها على صدرها وكأن قلبها قفز فجأة من موضعه تمتمت
أنا يا صغيرتي لا أقصد أنا فقط
لكن أميليا قاطعتها بصوت رقيق يحمل يقينا لا يعرف التكلف ولا يخشى نظرات الكبار
أنت طيبة معي تحكين لي القصص عندما يكون أبي مشغولا أريدك أن تكوني أمي
اجتاح القاعة صمت يشبه العاصفة التي تسبق سقوط الأشجار تبادلت العارضات النظرات الضيقة رفعت بعضهن حواجبهن دهشة بينما كتمت إحداهن ضحكة متوترة كأنها تحاول بإصرار أن تبقى جزءا من الصورة رغم أن المشهد خرج عن السيطرة
كل الأنظار اتجهت نحو ريتشارد
الرجل الذي لا تهتز ملامحه في غرف المفاوضات والذي اعتاد أن يقرأ نوايا الناس في أبسط حركة بدا متصلبا كتمثال حاول أن يلتقط شيئا من وجه كلارا طمعا مكيدة رغبة في استغلال الموقف لكنه لم يجد إلا ارتباكا صادقا وقلقا حقيقيا على الصغيرة
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة وجد ريتشارد لانكستر نفسه عاجزا عن الكلام
انتشر الخبر في القصر كشرارة سقطت على أرض جافة وبحلول المساء كانت الهمسات قد وصلت إلى غرف السائقين والطهاة والبوابين
رحلت العارضات ووقع كعوبهن على الرخام بدا أشبه بوقع الهزيمة لا بخطوات النساء الواثقات
وفي مكتبه المطل على الحديقة الغربية جلس ريتشارد يحتضن كأس الكونياك يدور السائل الداكن بلا وعي بينما تتردد الجملة نفسها
أبي أنا أختارها
لكن ذلك لم يكن جزءا من خطته
كان يريد زوجة تصقل صورته أمام المجتمع امرأة تحمل اسمه في حفلات السفراء وتبتسم لكاميرات الصحافة وترافقه في مناسباته الدبلوماسية
امرأة تشبه عالمه لا كلارا التي تنظف الفضة وتطوي ملابس أميليا وتذكرها بتنظيف أسنانها قبل النوم
لكن أميليا لم تتراجع
وفي صباح اليوم التالي أمسكت كوب العصير بيديها الصغيرتين ونظرت إليه بصرامة لا تنتمي لطفلة في السادسة
إن لم تدعها تبقى لن أتحدث معك بعد اليوم
سقطت الملعقة من يده
أميليا!
تدخلت كلارا بهدوء بصوت يحاول أن يطفئ النار قبل أن تشتعل
سيدي أرجوك أميليا طفلة لا تدرك
قاطعها بحدة فاجأت الجميع
هي لا تعرف شيئا عن عالمي ولا عن المسؤولية ولا عن المظهر وكذلك أنت
خفضت كلارا رأسها باحترام لكن أميليا تشبثت بذراعها بعناد ورثته من والدها نفسه
وفي الأيام التالية حاول ريتشارد شراء رضا طفلته بكل الطرق
عرض عليها رحلة إلى باريس
ثم دمية جديدة من متجرها المفضل
ثم جروا صغيرا
لكن الإجابة كانت تتكرر بثبات
أريد كلارا
وبينما كان يراقب إصرار الصغيرة بدأ يراقب كلارا ليس بعين رجل أعمال يحسب المكاسب والخسائر بل بعين
رآها تجدل شعر أميليا بصبر لا ينفد حتى عندما تتذمر الصغيرة
رآها تنزل إلى مستوى عينيها لتتحدث معها كأن كلامها أهم ما في العالم
رأى ضحكة أميليا ترتفع عندما تدخل كلارا الغرفة كأنها تستعيد جزءا من طفولتها معها
كانت كلارا بسيطة لكن دفئها كان يغطي أميليا كغطاء لا تقدر الأموال على شرائه
وللمرة الأولى خطر في ذهنه سؤال لم يجرؤ على التفكير فيه من قبل
هل كان يبحث عن زوجة تناسب صورته أم عن أم تحتاجها ابنته
وجاءت نقطة التحول بعد أسبوعين في الحفل الخيري الذي خطط له بدقة
ألبس أميليا ثوبا يشبه فساتين الأميرات لكن عينيها ظلتا خاليتين من الفرح
وبينما كان يخوض نقاشا مع مجموعة من المستثمرين اختفت الصغيرة
اجتاحه ذعر لم يعرفه حتى في أسوأ انهيارات البورصة
بحث عنها بعينين مذعورتين حتى لمحها قرب طاولة الحلويات تبكي
قال النادل بخوف
أرادت المثلجات لكن الأطفال سخروا منها قالوا إنها بلا أم
هنا انقبض قلبه بطريقة أفزعته
قبل أن يقترب ظهرت كلارا
كانت تراقب الصغيرة طوال الحفل من بعيد
ركعت أمام أميليا وجففت دموعها بطمأنينة تشبه حضنا مفتوحا
يا حبيبتي لست بحاجة إلى المثلجات لتكوني مميزة أنت أجمل ما في القاعة
شهقت
لكنهم قالوا إنني