خمسة توائم… وأب مكسور… وفتاة أعادت لهم معنى الأسرة
عن شغب التوائم أو طاقاتهم التي لا تهدأ بل حمل شيئا أثقل من كل ذلك خبرا أسقط قلبه في صدره سقوطا مؤلما.
أبلغ بأن ماتيوس أحد التوائم اختفى أثناء اللعب في الساحة الخلفية وأنه غاب لوقت بدا أطول من أي احتمال منطقي.
قالت المديرة بصوت مضطرب إنهم أغلقوا الأبواب وفتشوا كل زاوية لكن الطفل لم يكن في أي مكان.
تجمدت أنفاس برناردو.
وتدفقت إلى ذهنه كل الحكايات المظلمة التي سمعها عن رجال في مثل مكانته رجال يملكون كل شيء ثم يخسرون أعز ما يملكون في لحظة لا تفسر.
لم يفكر. لم يضع معطفه. ركض نحو السيارة كأن شيئا يطارده ولم يكن في ذهنه سوى جملة واحدة
ليس مرة أخرى لن أفقد أحدا من أطفالي. لن أسمح للعالم بأن ينتزعهم مني.
وعندما وصل إلى المدرسة وجدها هناك لورا.
كانت تركض بين الممرات تفتش تحت الأدراج خلف الأشجار وبين المقاعد وقد التصق المطر بشعرها وجعل وجهها بلون الخوف.
لم يسألها كيف وصلت قبله.
لم يسأل لماذا تركض بهذا الهلع.
كان يكفيه أنها هنا وأنها تبحث كأن الطفل ابنها هي.
صرخ
لورا! هل من خبر
هزت رأسها بقلق
بحثت في كل مكان لكن هناك غرفة واحدة لم ندخلها بعد غرفة الأنشطة القديمة.
لم ينتظر.
ركضا معا نحو الممر البعيد ذلك الذي كان الأطفال يخافون المرور قربه.
كانت الغرفة مغلقة بمفتاح صدئ.
انفجر صوت برناردو يطالب الحارس بالمفتاح وما إن فتح الباب حتى انكسر الهواء من حولهم.
هناك في الزاوية المظلمة كان ماتيوس جالسا ودموعه تلمع تحت الضوء الخافت.
ركضت لورا إليه قبل برناردو جثت أمامه ومدت يديها له
ماتيوس صغيري ماذا حدث لماذا جئت إلى هنا وحدك
وصوته يرتجف كأن الكلمات تثقله
قالوا
توقفت الأرض.
وتوقفت أنفاس برناردو.
كانت كلمات الطفل كالسهم اخترقت موضعا لم يلمسه أحد منذ رحيل زوجته الموضع الذي ظل يخفيه حتى عن نفسه.
اقترب منه وجثا على ركبتيه ووضع يده على ظهره وصوته خافت لكنه ثابت
ماتيوس يا صغيري لم أنس أحدا منكم يوما.
أنتم حياتي ولو ضعت لكنت أبحث عنك حتى آخر يوم في عمري.
رفع الطفل رأسه ببطء ببطء يشبه انكسار جدار ظل طويلا يحجز خوفه.
ومد يده الصغيرة فأمسك بيد لورا ثم بيد أبيه كأن اللحظة نفسها تصنع جسرا جديدا بين ثلاث قلوب كانت تبحث عن بعضها دون أن تدري.
عندما عادوا إلى البيت لم يترك الأطفال لورا لحظة واحدة أحاطوا بها كأنهم يخشون أن يختطفها أحد كأنها صارت ملاذا لا يريدون فقده.
وبرناردو رغم صمته شعر بأن شيئا ما تغير شيء يشبه القدر وهو يعيد رسم خطوطه فوق حياتهم.
مرت الأسابيع وتحول البيت إلى عالم آخر.
عاد الدفء إلى الجدران.
أضاءت ضحكات التوائم الممرات القديمة
وصوت لورا الناعم كان مثل يد تربت على قلوبهم الصغيرة.
وبرناردو لم يعد يهرب إلى مكتبه كما كان يفعل لسنوات.
صار يتوجه نحو غرفة الألعاب نحو الحديقة نحو الطاولة التي يجلس حولها أطفاله الخمسة وكأنهم خمس شموع أعادت الضوء إلى روحه التي ظنها انطفأت إلى الأبد.
كان يعلم الآن أن ما بدأ بنظرة قصيرة انتهى بأن يكون بداية حياة كاملة.
مرت الأيام التالية كأنها صفحة جديدة فتحها القدر على مهل. لم يعد القصر يئن من الوحدة ولم تعد الجدران تردد صدى غياب طويل.
كانت لورا هناك تتحرك بخفة
وكان الأطفال يتعلقون بها كما لو أنها ضوء خرج من نافذة لم تكن موجودة من قبل.
وبرناردو كان يرى كل شيء.
يرى كيف تغير البيت وكيف تغير هو دون أن ينتبه.
كان يراقبها حين تضحك حين تنحني لتربط حذاء طفل حين تعلق رسوماتهم على الجدار
وكان يشعر رغم محاولاته الجادة أن قلبه لم يعد ملكه كما كان.
وفي مساء هادئ من أمسيات الشتاء بينما كانت الأمطار تطرق زجاج النوافذ بإيقاع ناعم اجتمع الأطفال حول لورا في غرفة الجلوس يروون لها ما حدث في المدرسة وكأنها أم تنتظرهم في كل يوم.
نظر برناردو إليهم من بعيد ورأى شيئا لم يستطع مقاومته
رأى صورة العائلة التي فقدها ذات يوم تعود تتشكل أمامه بوجود امرأة لم يتوقع أن تغير عالمه.
حين نام الصغار خرجت لورا إلى الشرفة لتهدئ تعب يومها الطويل. كانت ليلة باردة والسماء تلمع بالضوء الخافت.
ولما اقترب برناردو منها لم تلتفت شعرت به فقط كأن حضوره صار جزءا من الهواء.
قال بصوت منخفض كأنه يخشى كسر اللحظة
لم أشكرك بما يكفي لورا على كل ما فعلته من أجلهم ومن أجلي.
التفتت إليه وكانت عيناها تعكسان ضوء السماء كأنهما مرآتان صغيرتان للعالم
لم أفعل شيئا يستحق الشكر يا سيدي الأطفال هم من أعادوني إلى الحياة.
اقترب خطوة خطوة واحدة فقط لكنها حملت ما يعادل سنين من الصمت.
أنت لم تعودي مربية في هذا البيت لورا أنت صرت شيئا أكبر من ذلك بكثير.
ارتجف قلبها. وحاولت أن تخفي الارتباك الذي ظهر في عينيها فقالت بصوت يكاد يسمع
لا أفهم
بل تفهمين.
أنا أيضا لم أفهم في البداية لكن كل يوم يمر يؤكد لي شيئا واحدا
أن هذا البيت وهذه العائلة
وبصراحة أكبر أنا لم أعد كما كنت.
ساد صمت طويل لكنه صمت لا يخيف صمت يهيئ لاعتراف ينتظر أبواب القلب.
ثم قال بجرأة رجل لم يعد يريد أن يضيع ثانية واحدة من حياته
لورا
هل يمكن أن تبقي
ليس كعاملة ولا كضيفة
بل كجزء منا.
جزء من هذه العائلة
وجزء من قلبي أنا.
ارتعشت يدها وهي تضعها على صدرها كأن الكلمات أصابتها في موضع لم يقترب منه أحد من قبل.
نظرت إليه طويلا ثم همست بخفوت يشبه اعترافا مضيئا
وأنا منذ أن دخلت هذا البيت شعرت أنني أنتمي إليه إليهم وإليك.
اقترب أكثر حتى صار بينهما نفس المسافة التي تفصل بين نبضتين.
ورفع يده ليمسح قطرة مطر هبطت على خدها لكن لورا ابتسمت ابتسامة هادئة
ليست مطرا إنها دمعة.
فرد بصوت دافئ
إذن اسمحي لي أن أكون أول من يمسحها وآخر من يتركك تبكين وحدك.
ولم تقاوم حين شعرت لأول مرة أن العالم يمكن أن يمنحها فرصة ثانية كأن القدر اعتذر عما مضى.
وفي تلك الليلة بدا القصر مختلفا.
كان أكثر دفئا أكثر حياة أكثر صدقا.
الأطفال ناموا بسلام ولورا بقيت في الشرفة مع برناردو يتقاسمان صمتا جميلا لا يحتاج إلى شرح.
لم تكن تلك النهاية
بل بداية حكاية جديدة حكاية ولدت من الخوف ثم تحولت إلى أمان.
ومن الفقد إلى العائلة.
ومن الوحدة إلى حب نقي لا يشبه ما سبق.
وفي أول صباح بعد ذلك استيقظ الأطفال ليجدوا لورا وبرناردو في المطبخ يقفان جنبا إلى جنب يضحكان بهدوء وهما يعدان الفطور.
ركضوا إليهما وأحاطوا بهما كأنهما قلب واحد.
وهناك وسط ضحكات الصغار وعطر القهوة ورنين الحياة التي عادت أدرك الجميع دون أن يقول أحد كلمة واحدة أن البيت أخيرا وجد روحه
وأن
وهكذا انتهت قصة بدأت بخوف
وانتهت بقلبين اختارا أن يكتبا نهايتهما معا.