كنتُ متزوجًا من امرأة صالحة وهادئة الطباع تُدعى هناء

لمحة نيوز

كلما رفعت يديّ إلى السماء، شعرتُ بأن بيني وبين الله بابًا فُتح بعد أن أُغلق لسنوات طويلة.
أما هناء… فقد ازدادت في عيني قدرًا ووقارًا. صبرُها، ودموعها التي كانت تكتمها، وصلاتها في جوف الليل، كلها باتت دروسًا أتعلّمها كل يوم. كنت أنظر إليها فأدرك أنّ الإيمان ليس كلمات تُقال… بل ثباتٌ حين ينهار كل شيء.
ومع مرور الوقت، بدأتُ أشعر أن يوسف لم يُبعث للحياة من جديد فقط… بل بُعثتُ أنا معه.
صار يدَه الصغيرة التي كانت تمسك بإصبعي حين كان ضعيفًا… كأنها تمسك بقلبي نفسه، تعيده إلى مكانه الصحيح.
واليوم، حين أرى يوسف في السادسة من عمره، وجهه مشرق، عيونه واسعة كأنها تحمل نور تلك الليلة التي فاح فيها عبير الورد في غرفتنا… أبتسم وأقول في داخلي:
لولا هذا الطفل… لما عدتُ أنا.
لم تكن معجزة يوسف شفاءً من

مرضٍ فقط…
بل كانت بعثًا جديدًا لروح أبٍ ضلّ الطريق، فعاد.
وما زلتُ حتى الآن، كلما نظرتُ إليه، أهمس في قلبي:
"اللهم كما حفظته… فاحفظني معه، واثبت قلبي على الطريق الذي عدتُ إليه بسببه."
مرّت السنوات بعد معجزة يوسف، وبيتنا لم يعد كما كان.
صار كل ركنٍ فيه يحمل ذكرى، وكل ضحكة تحمل خلفها قصة نجاة، وكل نظرة بيني وبين هناء تحمل امتلانًا لا يُقال وإنما يُحسّ في الأعماق.
كبر يوسف قليلًا… ومع كل عامٍ يمضي، كنتُ أراه يكبر في قلبي أكثر مما يكبر في عمره.
كان مختلفًا عن إخوته بطريقةٍ لا تُشبه أحدًا:
هادئًا، رقيقًا، كأن في داخله شيئًا يعرف ما لا نعرفه.
وفي بعض الليالي، كنت أجلس بجانبه وهو ينام، أُبعد خصلة شعرٍ عن جبينه، وأتأمله طويلاً.
كنت أرى في ملامحه أثر تلك الأيام التي تجرّعت فيها الألم والخوف،
وأرى أيضًا أثر الرحمة التي أعادته إلينا.
كنتُ أقول لنفسي:
هذا الطفل ليس عاديًا… هذا طفلٌ خاض الموت ثم عاد.
وذات مساء، بينما كنا نجلس جميعًا في الحديقة، اقترب يوسف مني، ووضع رأسه على كتفي، وقال بصوتٍ صغير:
«أبي… هل كنتَ تحبني عندما كنتُ صغيرًا؟»
كانت كلماته كالسهم في قلبي.
تجمّدتُ، ثم ضممتُه إليّ بقوة، وقُلتُ له:
«يا يوسف… لقد أحببتك قبل أن أعرفك، وخفتُ عليك قبل أن تفتح عينيك، وبكيتُ لأجلك كما لم أبكِ على شيءٍ في حياتي.»
رفع رأسه، ونظر إليّ بعينيه الواسعتين اللتين طالما حملتا قلقي وأملي، وقال:
«إذن لماذا تبكي الآن؟»
ابتسمتُ… ومسحتُ دموعي التي تسللت رغماً عني، وقلت:
«لأنك ذكّرتني باللحظة التي أعادك الله فيها إليّ… وذكّرتني بأنني كنتُ ضائعًا، وأن الله أعادني أنا أيضًا.»
سمعت هناء الحوار،
فاقتربت وجلست بجانبنا، ونظرت إليّ نظرةً تشبه سجدة شكر، نظرة امرأةٍ رأت زوجها يعود إليها من هاويةٍ لم تعرفها.
وضعت يدَها على يدي، وقالت:
«كنا نخاف أن نفقد يوسف… لكننا لم نكن نعلم أننا كدنا نفقدك أنت.»
حينها… شعرتُ بأن قلبي امتلأ لآخره.
امتلأ بما لا تستطيع الكلمات أن تحمله:
امتنان… حب… خشوع… دموع… وراحة لم أعرفها من قبل.
ضممتُ هناء بيد، ويوسف باليد الأخرى، وبقية أولادي كانوا يدورون حولنا يضحكون، كأن القدر يعيد تشكيل البيت الذي ظننته سينهار يومًا.
رفعت رأسي إلى السماء، وبقلبي دعاء لا صوت له:
“يا رب… لقد كنتَ معنا حين ظنّ الجميع أن النهاية اقتربت، وكنتَ أقرب إلينا من الخوف نفسه… فاجعل هذا البيت بيتًا لا يضيع فيه أحد بعد اليوم.”شج إلى شفاء.
وتعلّمتُ أن المعجزة لا تكون دائمًا في الجسد…
بل
في الروح التي تعود إلى الطريق من جديد.

تم نسخ الرابط