بعد وفاة زوجتي طردت ابنتها

لمحة نيوز

من بيتي! أنت لست ابنتي! أنت خطؤها!
أتذكرها تتجمد مكانها والدموع تنحدر بلا صوت على وجهها ثم تهز رأسها ببطء كمن فهم الحقيقة التي حاولت أن أنكرها أني اخترت أن أطردها من قلبي قبل أن أطردها من البيت.
استدارت وخرجت ولا شيء سوى المطر يرافق خطواتها.
مع ذهابها خمد كل شيء. خلا البيت من الضحكات وانطفأت أنوار لم أعد أجرؤ على تشغيلها. وحين يسألني أحد الجيران أين ذهبت أقول بلا اكتراث
هربت.
كنت أكذب عليهم وأكذب على نفسي. ظننت أنني بذلك أطهر حياتي من خيانة قديمة لكني في الحقيقة كنت أعمق جرحا لا يريد سوى اعتراف واحد أني كنت جبانا.
مرت السنوات بطيئة ثقيلة. وعندما بلغت الخمسين اكتشفت أني لم أعد الرجل الذي كنت عليه. صحتي تدهورت ظهري يؤلمني أصابعي ترتجف وقلبي كان هشا كزجاج مطرز بالندم.
أحيانا أمر بجانب المدرسة الثانوية التي كانت ليلي تدرس فيها. أرى في مخيلتي صورتها وهي تركض نحوي تناديني
بضحكة
أبي! انتظرني!
لكني عندما ألتفت لا أجد شيئا سوى الريح.
حتى جاء ذلك اليوم ظهر هادئ ظننت أنه كأي يوم آخر حين طرقت شابة بابي. كانت ترتدي معطفا أبيض وتحمل دفتر ملاحظات. نظرت إلي بعينين بنيتين فيهما حزن مألوف حزن يشبه لورا إلى حد يكاد يوقف نبضي.
قالت بصوت مهذب
اسمي إيما من المستشفى المحلي. هل أنت مايكل كارتر
دعوتها للدخول رغم أن يدي ارتجفت وهي تمسك مقبض الباب.
جلست أمامي وقالت
جئت بشأن فتاة أدخلت المستشفى في حالة سوء تغذية حاد. رفضت أن تذكر أي معلومات عن نفسها لكن أخيرا نطقت باسم واحد.
توقف صوتها لحظة قبل أن تضيف
اسمك.
شعرت بجسدي يبرد من الداخل. سألتها بصوت متحشرج
ما الاسم
قالت
ليلي.
سقطت الكلمة في الغرفة كحجر في بئر عميق. رأيت بعيني صور السنوات العشر الماضية المطر حقيبتها الصغيرة ظهرها المنحني وهي تغادر دون التفاتة.
قالت إيما
هي في حالة حرجة وقد طلبت رؤيتك.
لم أنتظر
لحظة. أمسكت معطفي وتبعتها. كان المستشفى يبدو أبعد من أي مكان مشيت إليه والممرات أطول من أن يحتمل صداها. ومع كل خطوة كانت صرختي القديمة تتكرر في رأسي
اخرجي! أنت لست ابنتي!
دخلت غرفتها ببطء. كانت ضعيفة إلى حد لا يحتمل. وجهها شاحب وجسدها هزيل وعيناها عيناها فقط ظلتا كما أتذكرهما نافذتان إلى طفلة كان يجب أن أحميها بدلا من أن أتركها فريسة العالم.
اقتربت منها ولمست يدها الباردة. فتحت عينيها ببطء ونظرت إلي.
لم أر فيها كرها.
قالت بصوت شبه منقطع
كنت أعرف أنك ستأتي. لم أكرهك يوما يا أبي.
انهرت. سقطت إلى الكرسي بجانبها وأمسكت يدها كما لو أن حياتي كلها معلقة بتلك الأصابع الضعيفة.
سامحيني يا ليلي سامحيني لأنني كنت أعمى لأنني تركتك تمضين في العاصفة وحدك سامحيني.
ابتسمت ابتسامة صغيرة كانت ابتسامة لورا نفسها وكأن روحها تطل من خلالها لتقول إن الحب رغم كل شيء لا يموت.
ثم أغمضت عينيها
من الإرهاق بينما قالت إيما بجانبي
وجودك أعاد إليها شيئا كانت تبحث عنه منذ زمن.
خرجت ليلي من المستشفى بعد أسابيع من العلاج وبدأنا رحلة جديدة رحلة إصلاح ما كسر. كنت أرافقها في مواعيدها أتعلم معها أسمعها تحكي عن السنوات التي عاشت فيها وحدها بين ملاجئ وأعمال متفرقة بينما كنت أنا أعيش في صمت بيت واسع فارغ.
أحيانا كنت أقرأ رسائل لورا التي مزقتها ثم حاولت إعادة لصقها. لم أعد أراها كخيانة بل كقلب خائف حاول أن يصنع حياة ولم يعرف كيف يواجه الحقيقة.
وفي أمسية دافئة كنا نجلس على الشرفة نراقب الغروب فالتفتت ليلي إلي وقالت بصوت هادئ
أتعرف يا أبي لم أكن بحاجة إلى رجل يشبهني كنت بحاجة إلى رجل يبقى.
لم أستطع الرد. كل ما فعلته هو أن أمسكت يدها وشعرت لأول مرة منذ زمن طويل أنني لست ذلك الرجل المكسور بل رجل بدأ يرمم ببطء.
عندها فقط فهمت الحقيقة التي تجاهلتها طوال حياتي
أن الأبوة ليست دما
بل قرار.
قرار أن تحب وأن تبقى مهما تأخرت.

تم نسخ الرابط