طرد مليونير مربية أطفال لتركها أطفاله يلعبون في الوحل

لمحة نيوز

أجابته بصوت هادئ أقرب إلى الأمومة 
وأنت لا تتصرف كأب بل كمدير 
سقطت كلماتها في صدره كحجر في ماء راكد
وسكتت الحديقة كلها 
ثم نزلت على حذائه قطرة طين صغيرة وكانت الشرارة الأولى لتغير لم يفهمه بعد 
ظل إيثان واقفا عند حافة الطين للحظة بدت أطول من الزمن نفسه كان كل شيء حوله متجمدا الهواء الذي توقف عن الحركة وأصوات الأطفال التي تحولت همسا خافتا وحتى الشمس التي بدت وكأنها تمهلت لترى ما سيحدث لم يعتد أحد أن يقف بوجهه لا في قاعة الاجتماعات ولا بين موظفيه ولا حتى داخل هذا المنزل الذي شيده على قياسات دقيقة تشبه مقاساته النفسية 
لكن غريس كانت مختلفة 
رفت أصابعه على الحافة الصلبة للحصى وفي صدره تسلل ذلك الشعور الذي نسي وجوده الارتباك كان الارتباك بالنسبة له نقطة ضعف لكن اليوم بدا وكأنه باب صغير يتسلل الضوء منه إلى ركن لم يطرق منذ زمن بعيد 
هز رأسه بقسوة يخفي بها اضطرابه ثم قال بصوت حاد 
انتهي الأمر يا غريس أطفالي إلى الداخل الآن 
تبادل الصغار النظرات وبدت ليلي كأنها على وشك الاحتجاج لكن غريس رفعت يدها بلطف فأطاعوها مباشرة عجيب كيف يثقون بها إلى هذا الحد ثقة لم ينلها هو رغم أنه والدهم 
وقفت غريس على أطراف قدميها تخطو خارج البركة

وقطرات الطين تتساقط على العشب كأنها آثار جريمة في عين المجتمع الذي ينتمي إليه اقتربت من إيثان حتى شعرت بدفء أنفاسه ثم قالت بصوت منخفض 
إذا أردت أن تفصلني فافعل ذلك لكن لا تحرمهم من هذه اللحظة 
تراجع خطوة ليس خوفا منها بل من نفسه 
هذه ليست لحظة! قال بعنف مكبوت 
هذه فوضى أنت تسمين هذا تربية
هزت رأسها ببطء وقالت 
نعم لأن التربية ليست بناء أطفال يخافون من الطين بل أطفال يقفون بعد السقوط 
كانت كلماتها بسيطة لكنها اخترقت الطبقات التي تغلفت حول قلبه منذ طفولته تلك الطبقات التي صنعتها القسوة باسم الكمال 
أشار نحو الباب الأمامي وقال 
انتهينا هنا ست باك حقيبتك وترحلين قبل المساء 
توترت عضلة في فكها لكنها لم تجادله اكتفت بأن تحني رأسها باحترام ثم التفتت نحو الأطفال تقودهم إلى الداخل تبعتهم نظراته تتنقل بين الطين على ملابسهم وبين الابتسامات التي تلمع على وجوههم وتساءل بصمت 
كيف استطاعت خلال أيام قليلة أن تحول هذا الصمت إلى حياة
في المساء خيم على القصر سكون ثقيل كان الأطفال في غرفهم وباب غرفة ليلي نصف مفتوح يصل منه صدى ضحكة خفيفة ضحكة لم يسمع مثلها منذ أشهر أما غريس فكانت تقف عند المدخل تحزم حقيبتها الصغيرة لم تكن في الوضع الذي تتوقعه
مربيات بلاكوود عادة لا دموع ولا خوف ولا استجداء للوظيفة كانت ثابتة وكأنها تعرف أنها لم تفعل شيئا يستحق الاعتذار 
عندما نزل إيثان الدرج كان يركز على خطواته يتجنب النظر إليها كي لا يشعر بالضعف لكنه عندما رأى الصغار يقفون خلف الباب الخشبي الكبير وعيونهم شاخصة نحوها أحس بشيء ينزلق داخل صدره شيء لم يستطع مقاومته 
كانت ليلي أول من تحدث 
بابا هل ستذهب الآن
وقف إيثان متخشبا نبرة طفلته بدت كأنها صدى سؤال أكبر 
هل تغادر حياتنا كما يفعل كل ما نحبه
انحنت غريس إلى مستوى الأطفال تربت على أكتافهم وقالت بابتسامة ناعمة 
سأرحل قليلا لكنكم بخير أنتم أقوياء 
لكن أوليفر فجأة انطلق نحوها يحتضن ركبتها المغطاة بالطين الجاف لحقه نوح على الفور بينما ليلي ظلت واقفة تكتم دموعها 
كانت تلك اللحظة هي اللكمة التي أسقطت آخر جدار داخل إيثان 
مشى نحوهم ببطء حدق في الطين المتيبس على ملابسهم الصغيرة ثم في الغبار الذي لطخ ثياب غريس وفي ابتسامتها الشجاعة رغم رحيلها 
تذكر نفسه طفلا وهو واقف في الردهة الباردة لقصر والديه يبكي بصوت خافت حين تخلصت مربيته الأولى لأنه تعثر ولطخ سجاد والدته الفارسي يومها شعر أن العالم بلا أمان وأن الخطأ جريمة 
وها هو الآن يكرر الشيء
نفسه 
أغمض عينيه لحظة ثم تنفس بعمق وقال بصوت هادئ حقيقي لأول مرة 
غريس انتظري 
رفعت نظرها إليه مستغربة 
تقدم خطوة أخرى ثم قال 
لم أكن على صواب 
ساد صمت لم تستطع حتى الجدران إخفاء ثقله 
أنا قال مترددا كما لو أن الكلمة ثقيلة على لسانه
لم أفهم ما كنت تحاولين فعله 
نظرت إليه بثبات دون انتصار أو شماتة فقط انتظار 
أطفالي أكمل بصوت مبحوح يضحكون بطريقة لم أسمعها من قبل 
في تلك اللحظة فقط أدرك أن المشكلة ليست الطين بل الخوف الذي رباه في داخله منذ طفولته 
خفضت غريس رأسها قليلا صوته المرتبك كان كافيا ليدرك الجميع أن هناك بابا ينفتح داخل رجل ظن أنه مغلق إلى الأبد 
لن ترحلي قالها بوضوح 
ليس الآن ولا غدا 
ركض الأطفال نحوها بصيحات فرح والتفتت غريس إليهم
تحتضنهم بينما وقف إيثان يراقب المشهد بخليط من الارتياح والرهبة كأنه يشاهد حياته تعاد صياغتها من جديد 
وعندما رفع نظره إلى النافذة كانت شمس الغروب تسقط على الحديقة 
على البركة التي جفت
على آثار الطين
على ذكرى اليوم الذي كاد فيه أن يكرر خطايا ماضيه 
لكن صوت ليلي قطع أفكاره وهي تهتف 
بابا هل سنلعب في الطين غدا أيضا
ابتسم ابتسامة ربما لم يرها أحد منه
منذ سنوات 
وقال 
نعم ولكن هذه المرة سأكون معكم

تم نسخ الرابط