خمسة توائم وأب مكسور وفتاة أعادت للأسرة قلبها الضائع

لمحة نيوز

الذي ضايقك يا صغيري
ظل صامتا طويلا ثم قال بصوت مهتز
قالوا إننا بلا أم وإن أبي لا يحبنا وإنه يهتم بنا فقط لأننا مشهورون
انخفض رأسه واهتزت كتفاه الصغيرة. شعر برناردو كأن شيئا ثقيلا يسقط داخله.
سألته لورا برفق
وماذا فعلت عندما سمعت ذلك
دفعته ومزقت الورقة. لا أريد أن أرسم بيتا بلا أم
ارتعش صوته في آخر كلمة.
جثا برناردو على ركبتيه أمام ابنه رفع ذقنه وقال بصوت مكسور الصدق
انظر إلي يا لوكاس أنت لست بلا أم.
أمك تحبكم من السماء
وأنا أحبكم أكثر مما تتصورون.
وإذا قصرت يوما فسامحني.
لم ينطق الطفل لكنه ارتمى على أبيه يعانقه كأن هذا الحضن كان ينتظره منذ سنوات.
وقفت لورا خلفهما وملامحها تشع بنور هادئ كأنها ترى أسرة تولد من جديد.
وفي السيارة التف الأطفال حولها يستمعون لقصصها التي نسجتها من اللحظة قصص عن بطل صغير يخوض معاركه ليس بالقوة بل بالحب.
وفي تلك الليلة وقف برناردو عند باب غرفة التوائم يتأمل وجوههم النائمة بهدوء لم يعرفه منذ رحيل زوجته. اقترب وغطى لوكاس كما كان يفعل في الماضي. وعندما استدار وجد لورا تقف خلفه.
تبادل كل من برناردو ولورا تلك النظرة القصيرة التي لم تتجاوز ثانية لكنها بدت أطول من الكلام وأعمق من الاعترافات. كانت نظرة تحمل شيئا لم يعد يستطيع برناردو إنكاره شيئا تحرك داخله كما لو أنه
ظل ينتظر لحظة بسيطة كهذه ليعود إلى الحياة. أدرك ولو على استحياء أن هذه الفتاة ليست مجرد مربية جاءت لتسد فراغا مؤقتا ولا ضيفة عابرة في قصره الموحش. كانت بداية عودة الروح إلى هذا البيت وبداية عودة قلبه هو إلى النبض بعد سنوات من التوقف.
مرت الأيام التالية بنبرة من الهدوء لم يعرفها القصر منذ زمن بعيد. تغير الأطفال صارت خطواتهم أكثر ثباتا وضحكاتهم أكثر صدقا وكأن وجود لورا بينهم أعاد بناء شيء كان منكسرا في أعماقهم. وبرناردو رغم كل محاولاته اليائسة لإخفاء ذلك وجد نفسه يتتبعها بعينيه أينما ذهبت في المطبخ وهي تعد لهم العصير في الحديقة وهي تركض معهم بين قطرات الندى في غرفة الأطفال وهي تروي لهم الحكايات في كل مكان تترك فيه لمستها كان يشعر أنها تكتب جزءا جديدا من حياتهم.
لكن ذلك السكون لم يكن قدر هذا البيت.
في صباح يوم غائم بينما كانت السماء تمطر بخفة رن هاتف برناردو. كان الاتصال من المدرسة. لم يكن الأمر هذه المرة شجارا أو ورقة نشاط ممزقة بل خبرا صادما أسقط قلبه في صدره. أثناء اللعب في الساحة اختفى ماتيوس أحد التوائم لدقائق طويلة. قالت المديرة إنها أمرت بإغلاق جميع البوابات فورا وإن الطاقم بدأ البحث في كل مكان لكن الطفل لم يظهر.
شعر برناردو أن الأرض تميد من تحته. ارتجفت أصابعه وهو يغلق الهاتف.
تسارعت أنفاسه. عاد إليه شبح الفقد الذي لم يغادره منذ رحيل زوجته وكأن العالم يهدده بأن يسلب منه أحد أولاده. لم ير أمامه سوى حقيقة واحدة
لن يترك القدر يعيد ضربته. ليس مرة أخرى.
ركض نحو سيارته دون تفكير وقلبه يصيح داخله
لن أفقد أحدا منهم لن أسمح للعالم أن يأخذهم مني.
وحين وصل إلى المدرسة وجد لورا هناك قبله. كانت تركض في الممرات تبحث خلف الغرف تحت الدرج عند الأشجار تحت المطر الذي بلل شعرها وكتفيها. لم يسألها كيف وصلت بهذه السرعة كل ما كان يهمه أنها هنا وأن الخوف في عينيها يشبه خوفه إلى حد موجع.
صرخ وهو يلهث
لورا! هل من خبر
هزت رأسها وعيناها تلمعان بقلق
بحثت في كل مكان لكنه ليس هنا. هناك غرفة واحدة لم ندخلها بعد غرفة الأنشطة القديمة.
لم ينتظر. ركضا معا نحو الممر الطويل نهاية المبنى حيث كانت الغرفة. وجد الباب مغلقا بقفل قديم. صاح بالحارس حتى أحضر المفتاح وما إن دار المفتاح في القفل حتى فتح الباب بقوة.
وتجمد الزمن.
كان ماتيوس جالسا في زاوية مظلمة يحتضن ركبتيه بقوة وعيونه دامعة ترتجف.
ركضت لورا إليه جثت أمامه وقالت بصوت مرتعش
ماتيوس يا صغيري ماذا حدث لماذا جئت إلى هنا
عانقها الطفل بقوة وخرج صوته مختنقا
قالوا إن أمي لن تعود وإن أبي قد ينسى أحدنا يوما مثلما ينسى الناس في عمله فاختبأت لأرى هل
سيبحث عني
اختنق الهواء حولهم.
تسمرت قدما برناردو.
كلماته الصغيرة اخترقت مكانا لم يلمسه أحد منذ أعوام.
اقترب منه الأب وجثا إلى جواره ووضع يده على ظهره المرتجف وقال بنبرة تكسرت رغم محاولته تثبيتها
ماتيوس أنا لم أنس أحدا منكم يوما. أنتم حياتي. وكنت سأبحث عنك حتى آخر يوم في عمري.
رفع الطفل رأسه ببطء وكأن جدارا داخله انهار فجأة. وعندما وقف أمسك بيد لورا وباليد الأخرى بيد أبيه كأنه يربط بينهما بجسر صغير صنعه من خوفه وطمأنته.
كان مشهدا بسيطا لكنه كان كافيا ليعيد ترتيب كل شيء في قلب الأب.
في تلك اللحظة فهم برناردو الحقيقة التي ظل يتهرب منها
لورا ليست فقط جزءا من حياة الأطفال بل جزء من نجاتهم.
وجزء من نجاته هو.
وعندما عادوا إلى البيت ظل الأطفال الخمسة يلتفون حولها كأنهم يخشون أن ينتزعوا منها. أما برناردو فكان يراقبهم بصمت وقلبه يدرك أن القدر رسم أمامه طريقا جديدا طريقا لم يخطط له لكنه كان يشعر به منذ اللحظة الأولى.
وفي الأسابيع التالية تغير كل شيء.
صار البيت ينبض بالدفء من جديد.
ضحكات الأطفال تملأ الممرات
أحاديث لورا اللطيفة تهدئ أرواحهم الصغيرة وبرناردو لم يعد يهرب إلى مكتبه كما اعتاد. أصبح يقف عند باب غرفة الألعاب يجلس معهم حول الطاولة الصغيرة يتبع خطواتهم في الحديقة وكأن خمسة شموع صغيرة أعادت
النور إلى قلبه الذي ظن أن الظلام استوطنه إلى الأبد.

تم نسخ الرابط