أرسلتُ زوجتي لتنام في المخزن فقط لأنها ردّت على أمي
المحتويات
صدري.
التفت نحو أمي التي كانت تقف خلفي ذراعاها معقودتان ونظرة الانتصار تشوه ملامحها.
قالت ببرود لا يليق بقلق الموقف
فلترحل إن شاءت. امرأة لا تحترم بيت صاحبه لا تستحق البقاء فيه.
تشنج فكي. لأول مرة منذ سنوات لم أستطع تصديق ما تقول ولا الانسياق خلفه. بدا لي صوتها كصدى بعيد لرأي قديم لم أعد أؤمن به. كانت كلماتها تشبه القيود التي ظللت أرتديها طوعا دون أن أدرك كم تثقل خطواتي.
تمتمت بحدة مكبوتة
اختفت هانا اختفت أمي. هذا ليس وقت اللوم.
رفعت حاجبها باستخفاف
وما المشكلة في ذلك ستعود عندما تهدأ. النساء يفعلن ذلك دائما.
لكنني كنت أعلم هذه المرة مختلفة.
هذه امرأة كسرت قلبها أهنتها أذللتها أمام الآخرين وطعنتها بكلمات لم تكن تستحقها. هذه ليست زوبعة غضب عابرة هذه نتيجة تراكم سنوات من الصمت والتسامح والحزن الذي كانت تبتلعه بصمت.
خرجت من المنزل مسرعا لا أعرف إلى أين أذهب ولا كيف أبدأ. اتصلت بكل رقم قد يخطر على بالي صديقتها الوحيدة التي تعرفت إليها في الجامعة جارة قديمة حتى رقم والديها الذي حفظته رغم أني لم أزرهما إلا قليلا. لكن الهاتف كان يرن دون إجابة.
وفي كل مرة كانت صورة المخزن المظلم
جلست في السيارة بلا اتجاه. أخذت أتنفس بصعوبة كأن ذنب البارحة قد التصق بصدري ومنعه من التمدد. لأول مرة منذ زواجنا رأيت تصرفاتي من الخارج رجل بالغ يطيع أمه كأنها حاكمة رجل ينكر مشاعر زوجته لأنها لا تشبه توقعاته رجل يعطي الأوامر دون أن يسأل نفسه إن كانت عادلة.
بل دون أن يسأل نفسه إن كان يحبها بما يكفي ليحميها من الظلم.
عندما عدت إلى المنزل بعد ساعات من البحث العقيم وجدته هادئا على نحو مزعج. لم يكن هناك صراخ من نواه ولا صوت خطوات هانا في المطبخ ولا همساتها وهي تحاول تهدئته. كان المكان ميتا وكأن وجودها وحده كان يمنحه نبضه.
قالت أمي بمجرد دخولي
هل انتهيت من المسرحية تعال وتناول الغداء.
لم أرد. مررت بجانبها دون أن أنظر إليها. لأول مرة في حياتي لم أصغ لأمرها. لأول مرة شعرت بأنها غريبة غريبة تماما عني.
دخلت غرفة نواه. كان نائما وجهه ورديا دافئا كما هو دائما. جثوت بجانبه ووضعت يدي على ظهره. شعرت بدمعة ساخنة تصعد إلى عيني فجأة. لم أرد لنواه أن يكبر
همست له وأنا أدرك الحقيقة الثقيلة
أبوك أخطأ يا نواه أخطأ كثيرا.
تذكرت تلك اللحظة التي اتهمت فيها هانا بالإهمال أمام الجميع. كانت تنظر إلي كأنها ترى شخصا آخر شخصا لا تعرفه ولا يمكنها الوثوق به. لم أتخيل أن جرحها كان عميقا للدرجة التي تجعلها ترحل دون كلمة.
في المساء بينما كان الليل يبتلع السماء سمعت صوت أمي تقول من الممر
لا تبحث عنها كثيرا يا رايان. ستعود عندما تجوع.
أغلقت الباب في وجه كلماتها القاسية.
جلست على الأرض أسندت ظهري إلى الحائط وتركت رأسي بين يدي.
كنت على وشك فقدان زوجتي وفقدان نفسي معها.
لكن ما لم أكن أعلمه هو أن هانا لم تكن تهرب فقط.
كانت في مكان آخر مكان لم يخطر لي على بال.
ومفاجأة الأيام القادمة كانت أكبر بكثير مما كنت أتوقع.
في الصباح التالي كنت قد وصلت إلى مرحلة يأس لم أعرفها من قبل. جلست في المطبخ أحدق في فنجان قهوة بارد أشعر أنني تائه في بيت كان يوما يعج بالدفء. صمت خانق يبتلع الجدران وغياب هانا كان كفيلا بأن يهز أعماقي حتى العظم. لم أنم لم آكل فقط أفكر أين يمكن أن تكون ولماذا لم تتصل
بينما كنت أتقلب بين أفكاري انقطع شرودي حين دق جرس الباب.
نهضت بسرعة قلبي يقفز في صدري. فتحت الباب فإذا هي رسالة موضوعة على العتبة مغلفة بعناية مكتوب على ظاهرها بخط هانا الدقيق
رايان
ارتجفت يداي حين التقطتها. كان وزنها خفيفا لكن وقعها علي كان أثقل من جبل. جلست على الدرج وفتحت الظرف ببطء كمن يخشى أن يتسرب الألم من بين الورق.
بدأت الرسالة بسطر واحد فقط كفيل بأن يطيح بكل دفاعاتي
لم أعد أشعر بالأمان في منزلك.
قرأت الجملة مرارا كأن عقلي يرفض قبولها. كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد زوجتي التي وعدتها يوما أن تكون ملاذها باتت تخشى البقاء معي. تنفست بعمق وأكملت القراءة.
كتبت تقول
لم أهرب يا رايان ولم أرد أن أترك نواه وحده. لكنه لن يستفيد من أم محطمة. الليلة التي قضيتها في المخزن لم تكن مجرد عقاب كانت إعلانا صريحا بأنني بلا قيمة في هذا البيت. لم يعد أمامي خيار سوى الرحيل قبل أن أفقد نفسي تماما.
توقفت قليلا شعرت بمرارة تهبط في حلقي. أي رجل كنت كيف جعلت امرأة كهانا تشعر بأنها بلا قيمة
ثم أكملت وازداد وجهي سخونة مع كل كلمة
أمك ليست مشكلتي رايان. المشكلة أنك لم تخترني يوما
متابعة القراءة