بعد ما الطفل بتاعنا مات وقت الولادة جوزي قرب مني وقال بهدوء مش ذنبك
كان الليل يخيم على الغرفة كستار كثيف لا يسمح بشيء أن يتحرك أو يتنفس. كنت أجلس فوق سريري أضم يدي إلى صدري بينما الألم يمزق داخلي تمزيقا. وعلى مقربة مني تقدم زوجي بخطوات هادئة متجردا من أي تعبير ثم قال بصوت منخفض
مش ذنبك.
قالها وانسحب من الغرفة دون أن يغلق الباب كأن وجودي أو حزني لم يستحق منه تلك الحركة الصغيرة.
ظللت لوهلة لا أسمع سوى أنفاسي المتكسرة حتى دخل ابني ذو الأعوام الخمسة يجر قدميه على الأرض بخطوات خجولة. اقترب مني أمسك طرف ثوبي وقال بصوت يكاد يختفي
ماما تحبي تعرفي اللي حصل بجد شوفي ده.
كان يحمل هاتفا قديما لم أره منذ زمن هاتفا سيكشف ما لم أتوقعه يوما.
قبل شهور من تلك اللحظة وفي ضاحية هادئة خارج هيوستن كانت لارا هاربر تقف في منتصف غرفتها الصغيرة منهكة عيناها متورمتان من البكاء. وعلى السرير حقيبة صغيرة تضع فيها ما استطاعت حمله. كان زوجها إيدان يقف أمامها ووراءه والدته مارغريت التي كانت نظراتها تحمل من الشماتة أكثر مما تحتمله نفس بشرية.
قال إيدان ببرود جارح
إنتي ما بتعمليش حاجة عدل.
ثم أضافت والدته بسخرية
ولا بتطبخي ولا بتنضفي ولا حتى شاطرة مع الواد.
مسكت لارا صغيرها نويل الذي بدأ يبكي وقالت بصوت مرتجف
أنا بحاول ما بنامش ساعة كاملة بعمل كل اللي أقدر عليه.
قهقهت مارغريت باستخفاف
يا شيخة ده تمثيل.
كانت تلك الكلمة قادرة على هدم ما تبقى من قوتها. رفعت رأسها وقالت بصوت ميت
أنا همشي.
نظر إليها إيدان بدهشة لم يلبث أن تبعها غضب مكتوم
اتفضلي مش هتعرفي تعيشي يومين لوحدك.
لم ترد. حملت طفلها وغادرت المنزل خطواتها تتعثر فوق الرصيف ودموعها تختلط برداء الليل.
ركبت سيارتها ووقفت في موقف مهجور خلف متجر مغلق. كانت يداها ترتجفان وهي تمسك طفلها بينما الهاتف يمتلئ برسائل من إيدان شتائم تهديدات كلمات قاسية وكل شيء إلا السؤال البديهي إنتي ولواد كويسين
وفجأة بدأ نويل يكح بشدة صدره الصغير يعلو ويهبط كأنه يبحث عن الهواء ولا يجده. صاحت لارا
يا رب نويل!!
ثم دوى طرق عنيف على زجاج السيارة. التفتت بفزع فإذا برجل يقف خلف النافذة يقول بصوت مضطرب
إنتي بخير الواد شكله بيختنق افتحي الباب بسرعة!
فتحت فالتقط الرجل الطفل بحركة طبيب متمرس وقال
عنده أزمة تنفسية لازم مستشفى فورا!
كان اسمه مارك دانفر موظف إسعاف صادفه القدر في تلك اللحظة. قاد السيارة إلى قسم الطوارئ وبقي معها حتى خرج الطبيب بعد فحص طويل.
قال الطبيب بوجه متجهم
طفلك يعاني حساسية خطيرة من نوع من الحليب الصناعي. ويبدو أنه يتعرض له بشكل متكرر.
تسمرت لارا في مكانها. هي لم تستعمل ذلك النوع قط.
قال الطبيب بصرامة
لو تأخرت ساعة واحدة لما نجا الولد.
اكتسحها الانهيار بينما بقي مارك إلى جانبها حتى تجاوزت الصدمة الأولى.
بعد أيام عادت لارا للمنزل لتجمع ما تبقى من أغراضها. لكن ما اكتشفته كان مفزعا أكثر مما توقعته. وجدت مارغريت تقف في غرفة الطفل تمسك عبوة الحليب الخطر الذي ذكره الطبيب وتسكبه في رضاعة نويل بهدوء كأنها تفعل ذلك منذ زمن.
صرخت لارا وهي تهجم عليها
بتعملي إيه! ده بيقتل الواد!!
نظرت إليها مارغريت ببرود مرعب
وإيه يعني الواد ده بعد ابني عني وأنا هرجعه زي زمان.
تجمد الدم في عروق لارا.
كان إيدان يقف خلفها يسمع كل شيء.
بدل أن يدافع عنها أو عن الطفل قال ببرود أقسى من الجريمة نفسها
ماما
وهناك في تلك اللحظة القاتلة أدركت لارا الحقيقة الكاملة
هذان الشخصان
لم يكونا مجرد أذى.
كانا خطرا على حياتها وحياة طفلها.
فحملت نويل والتقطت حقيبتها وخرجت
لكن هذه المرة كان خروجا بلا عودة.
لم تكن تلك الليلة سوى بداية لانكشاف جرح ظل مطمورا في أعماق ميرال لسنوات. بعد أن هدأت عاصفة البكاء نهضت ببطء ومسحت وجنتيها بظهر كفها كما لو أنها تريد محو أثر اعتراف خرج من روحها لا من فمها. في الخارج كانت الريح تهز أغصان الأشجار القريبة من النافذة كأن الطبيعة نفسها تستمع وتتنفس معها.
وقفت أمام مرآة صغيرة في الغرفة نظرت إلى انعكاسها مليا وحدثت نفسها بصوت يكاد يسمع
هل أستطيع أن أبدأ من جديد أم أن الماضي لن يسمح لي
لكن صمتها لم يدم طويلا. فقد فتح أدهم الباب بخفة وكأنه يخشى أن يزعجها وقال بصوت متردد
ميرال تقدري تدخلي الأوضة الرئيسية لو عايزة ترتاحي. المكان هنا ضيق عليكي.
لم تدر ماذا تجيب. توقفت لوهلة ثم قالت بلهجة فصيحة حازمة طغت عليها نبرة الاضطراب
أنا بخير هنا لا أريد الانتقال إلى أي مكان
اقترب منها خطوة ثم تمتم بنبرة قلقة