بعد ما الطفل بتاعنا مات وقت الولادة جوزي قرب مني وقال بهدوء مش ذنبك
عامية بالكامل
يا بنتي انتي مش مجبوراه على حاجة بس إنتي منهارة. وأنا أنا مش عايز أشوفك كده.
رفعت رأسها نحوه. كانت في عينيه نظرة رجل تكسر أكثر مما يظهر رجل دفن الخسارة تحت ألف صمت ولكنها ما زالت تنزف منه.
سألته فصيحة
أدهم هل تظن أن الإنسان يمكن أن يحب بعد الخراب بعد أن يفقد كل شيء
ابتسم بأسى ثم جلس على طرف الكرسي المقابل وأسند مرفقيه على ركبتيه وقال
إحنا يا ميرال مش بنحب بعد الخراب إحنا بنحب رغم الخراب.
ثم أضاف بصوت أخفض
ويمكن علشان كده بيكون الحب أصعب وأصدق.
تجنبت النظر إليه خشية أن يقرأ في عينيها ما لم تعد قادرة على إخفائه. وبعد لحظة صمت طويلة قالت فصيحة بنبرة خافتة
أخشى أن أسمح لشيء جديد أن يدخل حياتي ثم أفقده من جديد.
لا انتي مش هتخسري تاني. مش طول ما أنا موجود.
قالها بصوت عامي ثابت كأنه يعد وعدا لا رجعة فيه.
شعرت ميرال بقلبها يضرب بسرعة غير مألوفة. حاولت أن ترد لكنها لم تستطع. كانت الكلمات تتزاحم في صدرها لكنها تخشى خروجها
ومع ذلك امتدت يد.
فجأة صرخ أحد الخدم من بعيد مندهشا
أستاذ أدهم! لازم تشوف ده!
نهض الرجل على الفور وبقيت هي واقفة مكانها كأن الأرض جذبت قدميها. بعد دقائق عاد أدهم يحمل في يده شيئا صغيرا يحاول إخفاء توتره لكن فكه المشدود كان يفضحه.
قال لها بهدوء غير مقنع
ميرال في حد بعت ظرف على الباب باسمك.
اتسعت عيناها وانكمش الملح في حلقها.
باسمي من يرسل لي شيئا هنا
تردد قليلا ثم مد لها الظرف. فتحته بارتعاش. بداخل الظرف ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط مرتجف
لن تنجحي في الهروب مرتين.
لم يكن هناك توقيع.
ولا ختم.
ولا أي علامة.
احمر وجه أدهم غضبا وانتزع الورقة من يدها وهو يتمتم بلهجة غاضبة
مين قليل الأدب اللي يعرف مكانك ويبعت الكلام السخيف ده
لم تستطع ميرال الكلام. تراجعت خطوة إلى الخلف ثم أخرى قبل أن تجلس على حافة السرير كأن الأرض بدأت تميد.
سألها أدهم بصوت مرتفع قليلا لكنه يحمل خوفا
ميرال إيه اللي بيحصل مين ده
أغمضت عينيها بقوة ثم قالت فصيحة
إنه الماضي يا أدهم. الماضي الذي لا يريد أن يتركني وشأني.
انحنى أمامها ليلتقي بوجهها مباشرة وقال بحزم لكن بهدوء عامي
بصي لي انتي هنا في أمان. ومهما يكون اللي وراكي مش هيقدر يقرب منك وأنا موجود.
أرادت أن تصدقه. حقا أرادت.
لكن الخوف القديم عاد يزحف في أعصابها مثل ثعبان يعرف طريقه جيدا.
همست فصيحة
هو كان رجلا قاسيا لا يعرف معنى الخسارة ولا يعنيه الألم. ظننت أني ابتعدت عنه إلى الأبد.
رفع أدهم حاجبه وقال ببطء
طيب واضح إن الموضوع أكبر من اللي فهمته. وهنتكلم بس مش وانتي مرتعشة كده. تعالي معايا المكتب.
لا لا أريد أن أكون في مكان مغلق.
قالتها بسرعة ففهم فورا.
هز رأسه وقال بابتسامة لطيفة تحاول تهدئتها
ماشي نقعد هنا. المهم تحكيلي. أنا لازم أعرف.
ترددت طويلا لكنها في النهاية تكلمت. كان صوتها فصيحا لكنه مكسور يحمل أطراف خوف قديم
كنت متزوجة وزوجي كان يعتقد أنني ملك له.
قاطعها أدهم بلهجة عامية حادة
وإيه متوقعيش كنتي هترجعي له
بالطبع لا.
أجابت.
ثم أغمضت عينيها وكأنها تتذكر ضوءا باهتا لم يكن يوما مطمئنا
لكن الرسالة تعني أنه وجد أثري.
وقف أدهم فجأة كأن الدم اشتعل في عروقه. تقدم نحو الباب وقال بصوت منخفض لكنه يحمل نبرة رجل يعرف تماما ما سيفعله
ميرال محدش هيقربلك. ولا هيقدر حتى يفكر يعمل كده.
أدهم!
التفت إليها.
كانت شفتاها ترتجفان.
وعيناها تلمعان بخوف وبشيء آخر لا تريد الاعتراف به.
اقترب منها ثم قال بصوت عامي خافت
ثقي فيا ولو لمرة واحدة بس.
لم ترد.
لكنه رأى الإجابة في عينيها قبل أن تقولها.
ولأول مرة منذ سنوات شعرت ميرال ولو للحظة أن هناك يدا تستطيع الإمساك بها حين تتعثر وكتفا تستطيع أن تسند رأسها عليه دون خوف وقلبا يمكن أن يفتح لها بابه دون أن يطالبها بمحاربة العالم وحدها.
وصوتا يقول
انتي مش لوحدك تاني.
ولم تكن هذه نهاية الحكاية بل بدايتها.