«ليس الليلة… ولا في أي ليلة»، أعلنت زوجتي.
في داخلها كانت تتمنى الهروب من عالمين يخنقانها مكتبها ومنزلها.
وفي إحدى الليالي بينما كان ماركوس في ورشة القيادة جلست في المطبخ وحدها تتصفح صورا قديمة يوم زفافهما شقتهما الصغيرة الأولى رحلات المشي التي كانت تثير الضحك أكثر مما تثير الرياضة. رأت نسخة من نفسها كانت يوما حاضرة دافئة محبة ونسخة من ماركوس أحبها بصدق ووقف بجانبها في كل انكسار.
وسألت نفسها سؤالا ظل يطارده ظلا لسنوات
متى توقفت عن تقدير وجوده
تذكرت ضغط عملها إرهاقها الساعات الطويلة لكنها في النهاية رأت الحقيقة
هي من انسحبت أولا. ليس بقصد الأذى لكن لأن الانسحاب كان أسهل.
افترضت أنه سيظل هناك.
افترضت أنه سيحتمل وحدتها وانشغالها.
وكانت مخطئة.
وجاءت نقطة الانهيار في مساء أحد أيام الجمعة.
دخل ماركوس البيت بحماس واضح فقد أنهى عرضا مميزا في ورشته. وجدها تنتظره في غرفة المعيشة ويداها ترتجفان. قالت بصوت متعب
ماركوس هل يمكن أن نتحدث
تنفس بعمق وقال
عن ماذا تريدين التحدث
عنا. أشعر أنني أفقدك.
جلس أمامها هادئا لكن خارجه صار أصعب قراءة من أي وقت مضى.
قال بصوت منخفض
لا أظنك تعلمين كم آذاني ما قلته تلك الليلة.
همست
كنت مرهقة لم أقصد.
قال
قلتها وكأنك تعنينها. وصدقتك.
امتلأت عيناها بالدموع.
أنا آسفة أريد إصلاح كل شيء. سأفعل أي شيء.
أجابها بلطف دون أن يلين
أسمعك لكنني لست متأكدا أن الكلمات وحدها تكفي الآن.
ولأول مرة منذ زواجهما شعرت أوليفيا أنها تقف خارج قلبه بلا ضمان أن يفتح لها الباب من جديد.
حل الشتاء على دنفر بعنف تراكمت الثلوج وتسرب البرد من تحت النوافذ لكن ما بينهما كان أبرد من كل تلك المواسم.
اقترحت أوليفيا العلاج الزوجي كتبت له ملاحظات بخط يدها قللت ساعات عملهاشيء ما كانت لتفكر به قبل أشهرلكن ماركوس رغم احترامه لكل محاولة أبقى حدودا واضحة. لم يغلق الباب لكنه لم يفتحه تماما.
وفي صباح بارد من شهر يناير وكان يستعد لجولة تدريب للماراثون أوقفته عند الباب قائلة بصوت مختنق
أرجوك تحدث إلي بصدق. أشعر أنني أعيش مع ظل زوجي.
قال وهو
لست أحاول إيذاءك أنا فقط لا أعرف أين نقف الآن.
ردت بصوت مبحوح
إذن قل لي ما تحتاجه وسأفعله.
تردد قليلا ثم قال
أحتاج أن أشعر بأنني مرغوب ومختار. لا مجرد خيار جانبي.
انهمرت دموعها.
أنا أختارك فقط نسيت كيف أظهر ذلك.
لانت ملامحه للحظة لكنه ظل حذرا
علي أن أرى ذلك لا أن أسمعه فقط.
هزت رأسها موافقة
إذن دعني أحاول.
ومع مرور الأسابيع لم تكن محاولاتها استعراضا بل نية حقيقية كانت تطهو أكثر لكن بلا مبالغة. تستمع أكثر تقاطع أقل. حضرت إحدى ورش القيادة وجلست في الخلف تنظر إليه بإعجاب نسيته منذ زمن. انضمت إليه في بعض الجولات القصيرة تتعب لكنها لا تستسلم.
وببطء بدأ شيء ما يتحرك.
ليس تغيرا كبيرا بل ذوبانا صغيرا يشبه انحسار الصقيع مع أول ضوء دافئ.
وفي ليلة وجدها نائمة على الأريكة أوراق عملها مبعثرة حولها وقد أنهت عملها باكرا لتقضي المساء معه. شعر بشيء يشبه الحنان دافئا وخفيفا لكنه حقيقي.
وفي ليلة أخرى قالت له وهما يسيران في متنزه واشنطن
كنت
استمع إليها بصمت ثم قال
لم أطلب الكمال يوما أردت فقط شريكا.
مدت يدها إليه ولم يسحب يده.
وبحلول فبراير بدأ الجليد يذوب.
حضرا أول جلسة علاجية معا.
الحذر ما زال في عينيه لكن كذلك الاستعداد.
والندم ما زال في قلبها لكن معه التصميم.
كان الشفاء بطيئا.
بعض الأيام تثقلها الذاكرة.
وبعض الأحاديث تعيد فتح الجروح.
لكن بين تلك الفوضى كان أساس جديد يتشكل
ليس اندفاع البدايات بل نضج التجربة وبناء من أخطاء ووعي وجهد.
وفي إحدى الليالي همست في الظلام
شكرا لأنك منحتنا فرصة.
فقال وهو يشد ذراعه حولها
شكرا لأنك حضرت هذه المرة.
وفي صباح اليوم التالي بينما الشمس تتسلل عبر الستائر أدركت أوليفيا أنها لم تعد تتوسل الغفران بل تبني ثقة جديدة.
وأدرك ماركوس أنه لم يعد يعيش أسير جرحها بل يترك لها باب العودة مفتوحا شرط أن تخطو نحوه بصدق.
لم يكن زواجهما خرافة ولم يكن بلا ألم.
لكنه كان حقيقيا
ولأول مرة منذ وقت طويل
كانا يقفان في الجهة نفسها.