ثلاثة عشر عامًا من الصمت إلى أن فتح فتى فقير عيني الحقيقة

لمحة نيوز

كانت ابنة ملياردير ولدت مشلولة بالكامل من الرأس حتى أخمص القدمين وعلى مدى ثلاثة عشر عاما ظل العالم يعتقد أن حالتها لغز طبي مأساوي يستحيل علاجه أو حتى فهمه بشكل صحيح.
على مدى ثلاثة عشر عاما عاش العالم على كذبة محكمة صيغت خيوطها بعناية حتى بدت حقيقة لا يمكن التشكيك فيها. كذبة تقول إن ابنة الملياردير الشهير غريغور تالبوت ولدت مشلولة شللا كاملا لا شفاء منه وأن جسدها مجرد قشرة فارغة لا تحمل روحا واعية. لم يفكر أحد في التشكيك فثقل اسم تالبوت وحده كان كافيا لإسكات كل علامة استفهام.
كانت الفتاة التي سميت رسميا لينارا محاصرة في جناح زجاجي أنيق يستحيل على الغرباء دخوله يتبدل فيه الضوء والحرارة وفق أنظمة طبية فائقة التطور لكنه ظل رغم بذخه قفصا محكما تساق فيه كل لحظة من حياتها تحت عنوان الرعاية القصوى. وبينما عجز الأطباء عن تفسير حالتها تحولت إلى أسطورة مظلمة تتداولها الصحف بين الحين والآخر الطفلة العاجزة التي اشترا والدها لها كل ما يستطيع المال شراءه إلا الحياة الطبيعية.
غريغور تالبوت نفسه كان يمثل لغزا لا يقل غرابة رجل أعمال غارق في صفقات لا تنتهي لم يعرف عنه يوما أنه ابتسم ابتسامة حقيقية. كان حضوره يفرض الصمت وقراراته تشبه الأوامر العسكرية. وبرغم هذه القسوة الظاهرة كان يتظاهر أمام الكاميرات بأنه الأب الذي يحطم قلبه الألم على ابنته الوحيدة. أما خلف الأبواب فكان

الجناح الطبي لابنته أشبه بمختبر مغلق لا يسمح لأحد بمعرفة ما يدور داخله إلا بعض الموظفين الذين اختيروا بعناية.
وفي ذلك القصر الفخم عمل فتى فقير يدعى إلياس بالكاد تجاوز السادسة عشرة. كان يعمل مساعدا للبستاني يحمل الأدوات وينظف الممرات الحجرية ويجمع الأوراق المتساقطة. لم يكن يملك شهادة دراسية ولا خبرة في شيء سوى مراقبة التفاصيل الصغيرة التي يهملها الآخرون. كان يعرف أنه غير مرئي في عالم الأغنياء مجرد ظل يمشي بجانب الأشجار.
لكن ذلك الظل كان قدرا لم يتوقع أحد أنه سيصبح المفتاح لفضح سر أخفته جدران القصر ثلاثة عشر عاما.
في أحد الأيام وبينما كان إلياس يمر بجانب الجناح الممنوع لمح النافذة الزجاجية المفتوحة قليلا فألقى نظرة بدافع الفضول لا أكثر. كانت تلك اللحظة كافية لتغيير حياته من جذورها. رأى الفتاة ساكنة كما تصفها التقارير دائما مستلقية على سرير أبيض مغطى بالأجهزة. لم يثره المشهد حتى لاحظ شيئا غير كل شيء عيناها تتحركان.
كانت النظرة خافتة لكنها لم تكن عشوائية. تتبع بصرها ورقة خضراء سقطت من شجرة خارج النافذة وكأنها تحاول الإمساك باللحظة قبل أن تفلت منها. تجمد إلياس في مكانه. لم يكن مشهدا يمكن تفسيره بالسهو أو بالصدفة. كانت الحركة واعية دقيقة ومنتظمة.
ركض يخبر بقية العاملين لكنهم انفجروا ضاحكين. قال أحدهم
هل تتخيل نفسك طبيبا عبقريا يا ولد حتى العلماء لم يكتشفوا
حركة عينيها وتريد أنت أن تكون بطلا
ورغم السخرية لم تختف تلك اللحظة من ذهنه. كانت مطبوعة في ذاكرته كأنها وميض برق في ليلة مظلمة.
عاد في اليوم التالي هذه المرة يحمل مرآة صغيرة سرقها من المخزن. لم يكن يعرف لماذا يفعل ذلك ولا ما الذي يتوقع حدوثه لكنه شعر بحاجة غامضة إلى التأكد. حين اقترب من النافذة رفع المرآة ببطء ورآها تتحرك. ليس فقط حركة عابرة بل متابعة كاملة لانعكاس المرآة كأنها تريد أن تقول له أراك.
تراجع قلبه في صدره لكنه بقي واقفا ينظر إليها بإحساس لم يفهمه.
هل كانت تطلب المساعدة
أم كانت فقط تشعر بالدهشة لوجود شخص يلاحظ ما لم يلاحظه أحد منذ سنوات
عندما عاد في المرة الثالثة رمشت مرتين. رمشة طويلة ثم قصيرة. لم يكن يعرف أنها كانت تستجمع كل قوتها لتقول
لا تتركني.
اختار إلياس رغم فقره وبساطته أن يثق بهذا النداء الصامت. بدأ يتواصل معها بعلامات صغيرة رفع إصبع إسقاط قلم سؤال يهمس به لعلها تفهمه. ومع الوقت اكتشف لغة كاملة مبنية على الرفيف والرمش والاتجاهات. ومن خلال هذه الشيفرة الحية بدأت الفتاة تسلمه شيئا لم تمنحه لأحد قصتها.
ومع كل إشارة اتضحت حقيقة مرعبة شللها لم يكن طبيعيا.
وحين رآها إلياس ترمش بجنون عند سؤاله إن كان أحدهم تعمد إبقاءها على هذا الحال شعر ببرودة زاحفة في أطرافه. شيء ما كان يدبر في الظل شيء أكبر من مجرد تشخيص طبي خاطئ.
وخلال تلك الأيام لاحظ
علامات صغيرة على ذراعيها ثقوب دقيقة مخفية بعناية تحت أكمام طويلة. لم تكن تشبه آثار الإبر الطبية العادية. كانت متكررة متناظرة وموضوعة في أماكن لا يراها أحد بسهولة.
عندها بدأت الشكوك تتحول إلى أسئلة لا يمكن لأي عقل بسيط تجاهلها.
من كان يحقنها
وبأي شيء
ولماذا كانت تبدو دائما على الحافة بين الوعي والشلل
لكن أخطر سؤال كان
هل كان والدها يعلم
بعد أيام قليلة التقط الحراس وجوده في الجناح المحظور. اقتيد بقسوة إلى غرفة تحقيق وهناك واجهه رجل ضخم يدعى هاورد مدير عمليات القصر بلهجة باردة
من أرسلك إلى غرفة الفتاة
لكن إلياس كان يعرف أن كلمة واحدة قد تكلف الفتاة حياتها فقرر الصمت رغم الخوف الذي يعصر قلبه. كان صمته كافيا ليزيد شكوكهم وبدأت دائرة الشك تتسع داخل القصر.
ثم وقع ما لم يتخيله أحد
حركت الفتاة إصبعها أمام الجميع.
كانت حركة صغيرة لكنها قصفت صمت ثلاثة عشر
عاما وأوقعت حارسا أرضا من شدة الدهشة. في تلك اللحظة صرخ إلياس بكل ما فيه
إنها واعية! كانت واعية طوال الوقت!
ومن هنا بدأ الانهيار.
لم تمض ثوان على صرخة إلياس حتى انتشر الاضطراب في أروقة القصر مثل نار تلتهم هشيما جافا. بدا الجناح الهادئ الذي كان رمزا للصمت الأبدي وكأنه يستيقظ على وعي مفاجئ أجهزة الإنذار تومض أصوات الهرولة تتعالى والموظفون

 يتبادلون نظرات مشتعلة بالخوف والترقب. كانت تلك الحركة الصغيرة التي

صدرت عن أصبع الفتاة كفيلة بأن تهدم

تم نسخ الرابط