عندما أعاد طفلٌ صامت الحياة إلى القصر

لمحة نيوز

عندما أعاد طفل صامت الحياة إلى القصر
لم يكن أحد يتخيل أن لحظة صغيرة عابرة كنسمة في ظهيرة صيف ستعيد ترتيب مصائر عائلة كاملة.
كل شيء بدأ في تلك الليلة التي كان قصر آل ديل فايي يلمع فيها كعرش من الزجاج يزدحم برجال الأعمال والسياسيين وأصحاب النفوذ. كانت الموسيقى تتسلل بنعومة والأنوار تتلألأ على الثريات الذهبية والخدم يتحركون بصمت مدروس. بدا كل شيء كاملا إلا شيئا واحدا الصمت الذي يسكن الطفل بنيامين.
وفي خضم الحفل وقف جوليان ديل فايي المليونير المعروف بابتسامته الهادئة وثروته التي تتكاثر كما تتكاثر ناطحات السحاب ورفع صوته فوق الضجيج قائلا 
من يستطيع أن يجعل ابني يتكلم فسأتزوجه فورا.
ضحك الحاضرون.
اعتقد الجميع أنها دعابة ثقيلة من رجل ثري ضجر لا يعرف كيف يصرف ألمه. لكنهم صمتوا حين رأوا في عينيه شيئا لم يكن مزحة شيئا يشبه توسلا مكتوما.
منذ رحيل زوجته كلارا قبل عامين تغير كل شيء.
كان البيت يعج سابقا بالضحكات بخطوات طفل تركض خلف قطة القصر بأحاديث كلارا وهي تتنقل بين المطبخ والحديقة بصوتها الذي يملأ المكان بأغاني قديمة تحبها.
ثم ماتت.
ومع رحيلها انطفأت الأنوار الداخلية للقصر مهما ازدادت الأضواء خارجه.
جوليان لم يعد الرجل ذاته.
كان يمشي كأنه حائر بين الحياة والموت.

يتنفس فقط لأن الجسد لا يعرف التوقف أما روحه فقد خرجت مع كلارا يوم غادرت هذا العالم.
وبنيامين ابنه الوحيد توقف عن الكلام.
في ذلك اليوم الذي ودع فيه أمه صرخ صرخة اخترقت جدران المستشفى ثم خمد.
ومن بعد تلك اللحظة لم ينطق حرفا.
لا كلمة.
لا همسة.
لا حتى بكاء.
أخذه جوليان إلى أفضل الأطباء.
أخصائيون نفسيون أطباء أعصاب مراكز علاج شهيرة.
كان التشخيص واحدا 
لا ضرر عضوي بل جرح نفسي أغرق الطفل في صمت عميق لا يصل إليه أحد.
ومضت سنتان كاملتان لا صوت فيهما إلا وقع الأحذية على أرضيات القصر اللامعة.
سنتان من وجع اعتاد جوليان أن يحمله كأنه يلبس عباءة من الرصاص.
كانت الحفلة تلك الليلة ضرورة لا بد منها لقاء يجمع مستثمرين من مونتيري وسان دييغو ومكسيكو سيتي.
لم يكن جوليان يريد الاحتفال.
لكن عالم الأعمال لا ينتظر جراح أحد ولا يتوقف لأن رجلا فقد زوجته.
وبينما كان الحضور يتبادلون كؤوسهم الراقية يجلس بنيامين في ركن صغير على مقعده المفضل محاطا بصمت كثيف لا يجرؤ أحد على اختراقه.
مربيته كانت تراقبه قبل أن تضطر لتركه لحظة لتلحق بالحمام.
وفي مكان ليس بعيدا عنه كانت إيلينا عاملة تنظيف جاءت ضمن فريق تابع لشركة خدمات محلية.
امرأة نحيلة في الرابعة والثلاثين شعرها مربوط ربطة عادية وملامحها
تشبه قلوبا أرهقها الزمن لكنها لم تستسلم.
كانت هناك فقط لتعمل تنظف وتغادر لا أكثر.
لم تكن من النوع الذي يلتفت إليه أحد في حفلات مثل هذه.
الأثرياء لا يرون من يحمل الأطباق خلفهم ولا من يمسح الأرض تحت خطواتهم.
لكنها دون أن تدري كانت تسير نحو القدر ذاته الذي كان ينتظرها.
حين مرت بجانب الطفل توقفت.
لم يكن هناك سبب واضح.
ربما كانت غريزة أمومة لم تجد طريقا لها في حياتها أو ربما لأن الطفل ذكرها بظل وجه طالما حلمت أن تحميه.
اقتربت ببطء دون كلمة دون نداء فقط مدت يدها ومسحت على رأسه بلطف يشبه لمسات النسيم قبل الفجر.
وحدثت المعجزة.
رفع بنيامين رأسه نحوها ببطء شديد كأن الحركة نفسها كانت تستيقظ من موت طويل.
نظر إليها نظرة واحدة لكنها كانت كافية لتهتز الأرض تحت قدميها.
ثم بصوت مبحوح خرج من بعيد من مكان مطمور منذ ألف يوم قال 
هل تريدين أن تكوني أمي
تجمدت الدنيا.
تساقط الصمت في القاعة ورقة ورقة حتى صار ثقلا يكتم الأنفاس.
امرأة كانت تحمل كأسا توقفت في منتصف الحركة ورجل أسقط كأسه على الأرض دون أن يشعر.
حتى الفرقة الموسيقية توقفت فجأة دون إشارة كأن شيئا مجهولا شد الأوتار من بين أيديهم.
جوليان شعر بأن روحه خرجت من صدره لوهلة.
لم يعد يسمع شيئا لا الموسيقى ولا صوت الحاضرين.

ركض نحو ابنه بعينين لم تعتقلا الدموع يوما لكنه حين وصل وجد الطفل لا ينظر إليه بل إلى تلك المرأة
العاملة المجهولة الغريبة التي لم يعرف أحد اسمها حتى تلك اللحظة.
أما إيلينا فقد شعرت بشيء حار ينزل على خدها.
دمعة لم تعرف أصلها.
ربما لأن الكلمات التي تلقتها لم تكن مجرد طلب بل كانت نداء روح ضائعة تبحث عن يد تنقذها.
وفي تلك اللحظة
لم يفهم أحد ما يحدث.
لكن الجميع أدرك أن ما قاله بنيامين لم يكن مجرد جملة.
كان بداية شيء سيغير حياتهم جميعا.
لم يكن أحد في القاعة مستعدا لما ستؤول إليه تلك اللحظة.
كانت العيون كلها معلقة بالطفل الواقف أمام إيلينا وكأن الزمن توقف عند كلماته التي اخترقت السكون.
أما جوليان فكان يقف على مسافة خطوة من ابنه عاجزا عن الحديث.
كان ينظر إليه كما ينظر الغريق إلى يد ممدودة فوق المياه يد يعرف أنها الخلاص لكنه يخشى ألا يستطيع الإمساك بها.
حاول أن ينطق أن يستعيد صوته الذي تكسر مع رحيل كلارا لكن الكلمات لم تخرج.
كل ما استطاع فعله هو النظر إلى المرأة التي أيقظت في طفله حياة كانت مدفونة تحت رماد الفقد.
اقترب قليلا وقال بصوت مبحوح يختلط برجفة مكشوفة 
بنيامين هل يمكنك أن تعيد ما قلته
لكن الطفل لم يحول نظره نحو أبيه.
بدت عيناه وكأنهما التصقتا بإيلينا
وكأن شيئا فيها كان يطمئنه يهدئ روحه يعيد إليه ذاكرة لم
تم نسخ الرابط