كانت ابنةُ الملياردير تعاني كلَّ يوم إلى أن جاءت خادمة جديدة واكتشفت شيئًا مرعبًا داخل شعرها
كانت ابنة الملياردير تعاني كل يوم إلى أن جاءت خادمة جديدة واكتشفت شيئا مرعبا داخل شعرها.
لم يكن أحد في القصر الفخم يتخيل أن الطفلة التي تعيش بين الجدران المذهبة والأبواب المزدانة بالنقوش تحمل في قلبها وجسدها جرحا لا يراه أحد سوى عندما جاءت تلك الخادمة الجديدة لتكشف سرا كان مختبئا بين خصلات شعر طفلة سرا غير مصير أسرة كاملة.
كانت إيما ستون ابنة الملياردير المعروف ريتشارد ستون تجلس كل صباح على الكرسي الجلدي الكبير في غرفتها التي تشبه قصرا صغيرا. كانت يداها الصغيرتان ترتجفان فوق حجرها فيما تتسع عيناها الزرقاوان كبحيرتين تستغيثان بلا صوت. لم تكن تتجاوز السابعة من عمرها ومع ذلك حملت في داخلها ما لا يستطيع الكبار احتماله.
في ذلك اليوم سقطت مقصات مصففة الشعر على الأرض حين لمحت شيئا فادحا بين خصلات الطفلة. تجمدت المرأة في مكانها بينما وقف خلفهما رجل في منتصف الأربعين ببدلة لا تقدر قيمتها وقد خلا وجهه من الدم حتى أصبح شاحبا كأنه تمثال من الجليد. كان ذلك الرجل والد إيما الذي امتلك مدنا وأموالا وشركات لكنه لم يمتلك القدرة على ملاحظة ألم طفلته الوحيدة.
كان ريتشارد ستون يلقب في الصحف بملياردير الأبراج ويذكر اسمه في الاجتماعات بلهجة تجمع بين الإعجاب والخشية. ومع ذلك لم يستطع المال أن يغلق الفراغ الذي تركته زوجته الراحلة
فقد رحلت والدة إيما في ليلة ماطرة حين كانت إيما طفلة في الثالثة فقط. لم تحتفظ الطفلة إلا بشذرات من الذكريات ابتسامة دافئة رائحة تشبه الفانيليا ضمة ناعمة كانت تبعد عنها الكوابيس ويد تمشط شعرها قبل النوم. بعد موت الأم اختفى الضوء من البيت ومن قلب ريتشارد نفسه. فقد صار يخرج قبل شروق الشمس ولا يعود إلا في ساعات متأخرة حتى صارت إيما تجهل شكل صوته إلا من خلف الأبواب المغلقة.
ومع مرور الأيام أصبح القصر هادئا أكثر مما ينبغي هدوءا لا يشبه السلام بل يشبه الفراغ. الممرات طويلة وباردة خطوات إيما ترتد على الجدران كأنها تسير في كهف مكسو بالذهب. كانت الغرف كثيرة حد الضياع لكنها بلا دفء بلا حياة.
رغم ذلك كانت إيما تملك غرف ألعاب ضخمة تشبه مدينة صغيرة مليئة بكل ما يخطر بالبال دمى من فرنسا حيوانات محشوة من ألمانيا ألعاب ألواح وألغاز قطار يلف حول الغرفة وصناديق ألوان تفتح شهية أي طفل للرسم. غير أن كل هذه الأشياء كانت عاجزة عن أن تمنحها ما تحتاجه ضمة حقيقية نظرة حنان أو جملة بسيطة تقول لها أنا هنا لا تخافي.
أما مربيتها السيدة كروفورد فكانت نقيض الطيبة. امرأة طويلة قاسية الملامح بشعر رمادي مربوط إلى الخلف بقوة حتى بدا كأن الخصل نفسها تتألم. عيناها رماديتان جامدتان وفمها مشدود لا يعرف الابتسام.
لا تركضي.
لا تثيري الضوضاء.
عودي إلى غرفتك.
وكانت تحاسبها على كل ذنب صغير بعقاب كبير. فإذا سقط كوب عصير من يد إيما انفجرت غضبا. وإذا انسدل شرشف سريرها قليلا صرخت فيها. أما إذا بكت اشتياقا لأمها فذلك كان كأنه جريمة تغضب كروفورد بأشد ما يمكن تخيله.
أما الجرح الأكبر في حياة إيما فكان شعرها.
ذلك الشعر الأشقر الطويل الذي يشبه ضوء الصباح والذي كانت أمها تمشطه كل ليلة مئة ضربة وهي تغني. بعد وفاة أمها رفضت كروفورد تمشيطه وكانت تردد ببرود
افعليه بنفسك. أنت كبيرة بما يكفي.
لكن إيما لم تكن كبيرة بما يكفي ولا قوية بما يكفي. كانت الفرشاة تعلق في التشابكات والخصل تتجمع وتتكتل والألم يزداد يوما بعد يوم حتى صارت تخفي شعرها طوال الوقت وتشعر بالخجل والذنب كأن سوء العناية جريمة تخصها وحدها.
وفي الجانب الآخر من المدينة كانت امرأة شابة تدعى ماريا تقف أمام مرآة صالون صغير تمسح العرق عن جبينها بعد يوم طويل. كانت تعمل مصففة شعر بارعة خصوصا مع الأطفال والمشكلات الصعبة لكنها كانت تخوض معركة أشد قسوة والدتها مريضة بالسرطان والعلاج يلتهم كل ما تملكه. كانت الديون تتكدس فوق بعضها حتى شعرت ماريا أن حياتها كلها تتحرك نحو هاوية لا نهاية لها.
لكن القدر فتح لها بابا غير
ففي إحدى الليالي وبينما تقلب الإعلانات بحثا عن عمل إضافي لفت نظرها إعلان لوظيفة مدبرة منزل براتب يفوق أي راتب رأته في حياتها. راتب يكفي لإنقاذ والدتها وربما أكثر. ترددت لحظة ثم اتصلت فورا وبعد ثلاثة أيام وقفت أمام بوابة القصر الواسعة التي يسكنه ريتشارد ستون وابنته.
لم يسألها الرجل الأسئلة المعتادة. بدا مرهقا كأنه يحمل جبالا فوق كتفيه وقال لها فقط
ابدئي غدا.
دخلت ماريا القصر وهناك قابلت السيدة كروفورد التي قالت بلهجة باردة
اعملي بصمت. لا تتدخلي في شؤون السيد ولا في شؤون الطفلة.
لكن ماريا لم تستطع تجاهل الشيء الذي لم ينتبه إليه أحد الحزن الذي يكسو البيت كغبار قديم وصور العائلة التي تتوقف فجأة عند آخر صورة للأم وكأن الزمن توقف بعدها.
ثم رأت إيما لأول مرة. طفلة شاحبة بخصلات أشقر باهتة وعينين حزينتين كأنهما عاشتا قرونا لا سبع سنوات. في تلك اللحظة تحديدا شعرت ماريا أن قلبها يهبط من مكانه.
ابتسمت لها فانحنت الطفلة قليلا وقالت بصوت خافت جدا
مرحبا
ومن تلك الهمسة الصغيرة بدأت علاقة مختلفة تنبت بينهما مثل زهرة وجدت قطرة ماء في صخرة قاحلة.
بدأ حضور ماريا في القصر يغير ملامح الأيام شيئا فشيئا. فقد صارت تدخل على إيما كل صباح بعلبة إفطار صغيرة زينتها على شكل قلوب ونجوم وكأنها تحاول أن تبني للطفلة سماء جديدة