ذهبت عاملة نظافة الشوارع الجميلة لجمع القمامة أمام القصر… دون أن تتخيّل أن المليونير كان يراقبها

لمحة نيوز

ذهبت عاملة نظافة الشوارع الجميلة لجمع القمامة أمام القصر دون أن تتخيل أن المليونير كان يراقبها.
لم يكن إدواردو سانتانا رجل الأعمال المعروف يتخيل يوما أن مشهدا بسيطا على رصيف مقابل قصره قد يوقظ في داخله شيئا ظل خامدا لسنوات. فمنذ أسابيع اعتاد أن يراها كل صباح امرأة ترتدي زي البلدية البرتقالي تكنس الشارع بحركات دقيقة ونفس هادئ لا يشبه سرعة العمال الآخرين أو تبرمهم المعتاد. كانت تعمل كما لو أن المكان قطعة من روحها وكأنها لا تجمع أوراقا ذابلة بل ترمم شيئا مكسورا في داخلها.
ذلك الصباح كان الثلاثاء. وكانت الساعة تقترب من الثامنة حين وقف إدواردو كعادته في فناء قصره الواسع متكئا على السور القصير الذي يفضل وجوده بدل الأسوار العالية التي يقيمها الأثرياء عادة. أحب دائما الانفتاح على الشارع على الناس على الحياة العادية التي حرم منها بعد أن ابتلعته أعماله ومشاريعه العملاقة.
رمق المرأة التي تعمل على الجانب المقابل من الشارع. كان اسمها مكتوبا بخيط أسود على صدر زيها مارينا سيلفا. رآها جاثية قرب شجرة من أشجار الفيكس التي تزين حدود المنطقة تجمع الأوراق الصفراء المتساقطة ولكن لم تكن تكنسها مباشرة. كانت تفحص كل ورقة كأنها تقرأ فيها سرا.
أثار ذلك في نفسه فضولا غريبا فاقترب أكثر من السور

حتى أصبح صوته مسموعا عبر الطريق.
قال بنبرة مهذبة
عذرا على الإزعاج هل لي أن أسألك عما تفعلين
رفعت رأسها نحوه ببطء وعلى وجهها نظرة دهشة صادقة. لم يبد عليها أنها معتادة على أن يكلمها سكان المنطقة الفارهة فكيف برجل مثل إدواردو سانتانا نفسه
قالت بنبرة بسيطة ولكن واثقة
صباح الخير. كنت فقط أتحقق من حالة هذه الأشجار. أظن أنها قد تكون مصابة بحشرة الكوكسينيا فهي تظهر كثيرا في هذا الوقت من السنة.
تجمد إدواردو لحظة غير متوقع أن يسمع مصطلحا بيئيا متخصصا من عاملة نظافة. لكنه لم يقاطعها. أكملت مارينا حديثها بتركيز مهني يثير الإعجاب
الكوكسينيا تمتص عصارة الأوراق وحالما تنتشر فإنها قد تقتل الشجرة بالكامل. وبما أن هذه الأشجار تقف أمام منزلك رأيت أنه من واجبي التأكد من حالتها قبل أن تتفاقم.
لم يعرف إدواردو ما يقول. كان يعرف الكثير من الخبراء الذين يملؤون سيرهم الذاتية بألقاب ضخمة ويملؤون اجتماعاته بكلمات منمقة لكن أحدا منهم لم يتحدث يوما بهذه العفوية الشفافة.
سألها بدهشة حقيقية
هل أنت متخصصة في النباتات
ابتسمت مارينا بسمة خجولة لم تخف معها ذلك الفخر الخافت الذي تسعى الأرواح المتعبة لإخفائه عادة.
درست الهندسة البيئية في الجامعة قبل أن ينتهي بي الأمر هنا.
تلقى إدواردو كلماتها كأنه تلقى ضربة
غير مرئية. هندسة بيئية وكنس شوارع شيء ما في داخله اهتز كأن عالما صغيرا بدأ يتصدع أمامه.
كرر ببطء كأنه يتأكد من أنه لم يخدع بما سمع
مهندسة بيئية وتعملين هنا
عادت مارينا لترتب الأوراق وتجمعها في كومة صغيرة منظمة كأنها تحتمي بحركتها من ثقل السؤال.
إنها قصة طويلة يا سيدي. لكن هذا عمل شريف. وأستطيع ولو بشكل بسيط أن أستخدم معرفتي لخدمة البيئة.
بينما كانت تتحدث لاحظ إدواردو الطريقة التي تفصل بها النفايات بلاستيك على حدة ورق على حدة معادن وحدها لم يكن هذا أسلوب عاملة نظافة. هذا عمل شخص يعرف قيمة كل شيء ويعرف أيضا كيف يرمم الفوضى.
سألها بعد تردد خفيف
مارينا هل لي أن أسألك سؤالا شخصيا
ترددت لكنها أومأت.
تفضل.
قال
لماذا تعمل مهندسة بيئية في كنس الشوارع
توقفت عن الحركة تماما ثم وقفت تمسح يديها بزيها البرتقالي. في عينيها رآى ذلك النوع من الحزن الذي لا يولد إلا من الخذلان. قالته ببطء
لأن قول الحقيقة أحيانا يكلف أغلى مما نتصور. ولأن لدي ابنة صغيرة ولأن هذا العمل رغم كل شيء عمل شريف.
تغير وجه إدواردو دون أن يشعر. كانت كلماتها كأنها تزيح الستار عن حياة كاملة خلفها.
قال لها
هل حدث شيء
أومأت. ثم قالت بصوت هادئ يخفي وراءه سنوات من النضال
عملت ثلاث سنوات في شركة بيتروتيك. كنت مسؤولة عن تقارير
الأثر البيئي لمشروعاتهم. وفي أحد الأيام اكتشفت تزويرا واسعا في البيانات. كانوا يأخذون تصاريح بناء في مناطق محمية ويخفون الآثار الحقيقية على البيئة.
اقترب إدواردو من السور متسمرا من وقع كلماتها.
تابعت مارينا
أبلغت رئيسي أولا ثم الجهات الرقابية. والنتيجة فصل تعسفي. وتشهير. ومنذ ذلك اليوم لم يقبل أحد توظيفي.
بدت كلماتها كأنها تخرج من صدر اختزن الكثير لكنها رغم ذلك خرجت ثابتة بلا ذرة ندم.
سألها
وكم مضى على هذا
عامان. عامان أحاول خلالهما أن أعيل ابنتي وحدي وأن أجد لنفسي مكانا في مجال لا يريد من يقول الحقيقة.
لم يدر إدواردو ما الذي شعر به أكثر الغضب أم الإعجاب أم مزيجا عميقا من الاثنين معا كان يرى أمامه امرأة دفعت ثمن النزاهة كاملا دون أن تنحني.
وهنا ولأول مرة منذ شهور وجد نفسه يتكلم بلا حسابات
مارينا هل يهمك العمل معي ليس بوظيفة مكتبية كاملة بل بداية بدوام جزئي استشارات في الاستدامة.
رفعت رأسها نحوه بسرعة وعلى وجهها مزيج من الأمل والخوف والشك.
سمعت هذا الكلام من قبل
قالت مارينا بصوت خافت تخالطه مرارة التجارب القديمة
كانوا يقولون الكلام ذاته يعدون بفرص وبمستقبل أفضل ثم يختفون عندما يعرفون قصتي. عندما يفهمون أنني لم أسكت ولم أساوم ولم أقبل أن أكون جزءا من تزوير أو خداع.
تنهدت
كأن كلماتها تسحب معها ثقل عامين كاملين.
كانوا
تم نسخ الرابط