ذهبت عاملة نظافة الشوارع الجميلة لجمع القمامة أمام القصر… دون أن تتخيّل أن المليونير كان يراقبها
لارا. أمك امرأة رائعة.
نظرت الصغيرة إلى أمها فأومأت مارينا برأسها ثم قالت لارا بثقة مرحة
أعرف هي أفضل أم في العالم.
ضحك الثلاثة وكان ذلك الضحك كفيلا بأن يزيل جزءا من الجدار الذي ظل يحاصر مارينا منذ عامين.
جلسوا في قاعة الاجتماعات الصغيرة حيث قدم إدواردو لمارينا عرضا حقيقيا بعقد رسمي وبمرونة في الدوام وبراتب يكفي لأن ترتاح قليلا من ثقل الأيام التي عاشتها.
لكن اللحظة التي لم تمح من ذاكرته كانت حين فتحت لارا دفترها الصغير وأخرجت منه رسمة لشجرة كبيرة وقد كتبت تحتها بقلم الأطفال الغليظ
أمي تحمي الأشجار. أمي مهندسة.
تناولت مارينا الورقة بسرعة وقد ارتجفت
أما إدواردو فقد شعر بأن شيئا في داخله ينكسر شيء كان يحجبه عن رؤية الناس بقلوبهم لا بسيرهم الذاتية.
قال لها بهدوء بصوت لا يحمل خطاب رجال الأعمال بل صدق الإنسان
مارينا لا أريد توظيفك فقط بل أريدك أن تكوني جزءا من القرار نفسه. نريد أن نعيد تقييم مشاريعنا ونريد أن نبدأ برنامجا جديدا لحماية الأشجار داخل المدينة. وأريدك أن تقودي هذا المشروع.
رفعت رأسها نحوه مذهولة.
تقودينه أنت.
عاد يقولها وكأنه يصر على كل حرف.
سألته بصوت مبحوح
لماذا أنا
ابتسم إدواردو ببطء
لأن المدينة تحتاج إلى أشخاص مثلك. ولأن الحق يحتاج إلى من يقول
في تلك اللحظة أحست مارينا بشيء لم تحسه منذ سنوات
أحست أنها ترى.
أن حياتها بأخطائها بكبريائها بصراعها لم تذهب كلها هباء.
مدت يدها إليه وقالت بثبات لأول مرة منذ زمن طويل
أقبل. هذه المرة أقبل.
صفقت لارا بحماس فالتفت الجميع إليها تضحك بعفوية كاملة
يعني ماما اصبحت مهندسة بجد!
ضحك إدواردو وضحكت مارينا وبدت القاعة كأنها تشرق من جديد.
وفي المساء
حين عادت مارينا وابنتها إلى بيتهما البسيط جلست الصغيرة أمام طاولتها المدرسية وبدأت تكتب موضوعا قصيرا للتسلية
اليوم بدأت ماما عملا جديدا.
قال لها رجل طيب إن الحقيقة لا تنسى.
وقالت له ماما إننا سنحمي الأشجار معا.
وأنا سأكبر لأساعدها.
وقفت مارينا خلفها تقرأ ثم قبلت رأسها بلطف.
كان الطريق أمامهما طويلا نعم
لكنهما هذه المرة لم تكونا وحدهما.
أما إدواردو فكان يقف قرب النافذة في مكتبه في المبنى ذاته يراقب أشجار الشارع التي كانت مارينا تفحصها قبل يوم واحد فقط.
ولأول مرة شعر بأن حياته رغم نجاحها كانت تنتظر لحظة واحدة لحظة يعرف فيها أن شيئا أكبر من العمل بدأ وأن خطا جديدا رسم في قدره.
خط يبدأ من امرأة نظيفة القلب وابنة صغيرة تحمل العالم في ابتسامتها.
وهكذا
لم تكن النهاية نهاية
بل بداية حقيقية
وجد كل واحد منهم طريقه في الآخر.