أهانت مديرةٌ متعجرفة رجلًا ظنّت أنه مجرد عامل نظافة بسيط. وفي اليوم التالي… اكتشفت الحقيقة التي دمّرت مسيرتها المهنية.
كأنها أصوات بعيدة تتردد في غرفة مغلقة. لقد رأت نظرات الكبار وهي تنغرس في لحم لورا مثل سهام ورأت كيف كانت المرأة التي أحبتها دوما ترتجف من الإهانة ثم تخفي ارتجافها بابتسامة عاشقة تريد الصمود.
أما أندريه فقد كان واقفا في ردهة المنزل يحمل بين كتفيه ثقلا لم يشعر به منذ سنوات. كانت المواجهة مع أسرته ومع مارسيلا تحديدا قد تركت فيه ندوبا لا ترى لكنها تخدش روحه كلما تذكر الطريقة التي تحدثت بها عن لورا وكيف نظرت إليها وكأنها دخيلة على عالم لم يكن يوما عالمه هو أيضا.
حين دخل غرفة صوفيا وجدها جالسة عند طرف السرير تضم دميتها إلى صدرها وعينيها تلمعان بأنفاس غير مستقرة.
جلس بقربها وقال بصوت خافت
أتعلمين أحيانا يخطئ الكبار بطريقة لا يجرؤون حتى على الاعتراف بها.
رفعت صوفيا بصرها إليه وقالت وشجاعتها الطفولية تشق الظلام
بابا أنت لن تترك لورا صحيح
شعر أندريه بأن السؤال سقط عليه كسهم مباشر. لقد أدرك أنه مهما حاول أن يبدو ثابتا فقد رأت صوفيا ما لا يحتمل رؤيته خوفه.
فكر قليلا قبل أن
لن أترك أحدا يحبنا بصدق.
وبينما كان يتحدث كانت لورا في تلك اللحظة في غرفة الضيوف تجلس على طرف السرير تحدق في حقيبتها نصف المفتوحة. لم تكن تريد الرحيل لكنها أيضا لم تكن قادرة على البقاء في مكان ينظر إليها فيه وكأنها عبء أو تهديد. كانت تخشى أن يتحول حبها إلى حرب بين أندريه وأسرته وكانت تخشى أكثر أن تدفع صوفيا ثمن أي صراع.
رفعت رأسها حين طرق الباب بخفة. كان أندريه يقف في العتبة بعينين مثقلتين بما يشبه العتب والرجاء والاعتذار معا.
هل يمكن أن نتحدث سأل بصوت منخفض.
أومأت فدخل وأغلق الباب خلفه.
جلس مقابلها ولم يقل شيئا في البداية كأن الكلمات تحتاج أن تتجمع من جديد بعد أن تبعثرت أثناء العشاء.
أنا لم أدافع عنك كما يجب.
قالها وهو يشعر بأن كل كلمة تشق من صدره بصعوبة.
هزت رأسها بخفة
لقد حاولت. أعرف ذلك.
لا لم أحاول بما يكفي.
اقترب خطوة ثم جلس بجانبها على حافة السرير.
لورا أنت لست مشكلة في حياتي. أنت الشيء الوحيد الحقيقي
ترددت أنفاسها وكأنها تخشى أن تسمع ما كانت تنتظره منذ زمن.
لكن عائلتك
قاطعها بنبرة حازمة لأول مرة منذ بداية المساء
عائلتي صوفيا هي عائلتي. وما تختارينه أنت هو ما أريده معها.
اتسعت عينا لورا ليس لأنها لم تتوقع ما قال بل لأنها كانت تخشى أن تسمعه. أما الآن فقد خرج بطريقة جعلت قلبها يضطرب كطائر صغير وجد فجأة أبواب القفص مفتوحة أمامه.
لكن قبل أن تتمكن من قول شيء اندفعت صوفيا إلى داخل الغرفة ووقفت بينهما كما لو كانت تخشى أن يختفي أحدهما فجأة.
هل ستبقين هنا
سألت لورا بصوت متحشرج وفي عينيها خوف وبصيص رجاء.
جلست لورا على ركبتيها أمام الصغيرة ثم مسحت على شعرها وقالت بصوت دافئ
أنا أريد أن أبقى. لكن البقاء ليس قرارا سهلا.
هنا أمسكت صوفيا بيدها ورفعتها بقوة طفولية لا تشبه إلا الحقائق الصادقة.
أنا لا أريد أحدا غيرك.
كانت تلك الجملة الصغيرة كافية لتفتح بابا جديدا في قلب لورا بابا لم يكن يتسع يوما لهذه الدرجة من اليقين.
مد أندريه يده ووضعها فوق يديهما وكأنه يعقد عهدا بسيطا
لن يقرر أحد مصيرنا سوانا.
في اليوم التالي عاد الهدوء إلى البيت لكنه كان هدوءا مختلفا ليس هدوء الخوف بل هدوء بداية جديدة.
مارسيلا حاولت الاتصال مرارا لكن أندريه لم يجب. ربما سيأتي وقت للمواجهة مجددا وربما ستمتلئ الأيام بصراعات أخرى لكن ما كان مؤكدا في تلك اللحظة أن الثلاثة أندريه ولورا وصوفيا قد اختاروا بعضهم.
وفي المساء بينما كانت لورا تقف في المطبخ تحضر شيئا بسيطا للعشاء اقترب منها أندريه ووضع يده حول خصرها من الخلف.
هل ما زلت خائفة
همس قرب أذنها.
ابتسمت دون أن تلتفت ثم قالت
الخوف لا يختفي لكنه يتراجع حين نجد أحدا يستحق أن نقاتل معه.
شدها إليه وقال بصوت منخفض
وأنا لن أسمح لأحد أن يأخذك منا.
عند باب المطبخ كانت صوفيا تقف تراقبهما ثم ابتسمت تلك الابتسامة الصغيرة التي تشبه وعدا خفيا بأن هذا البيت مهما مر به لن يعود مظلما كما كان.
وهكذا انتهت الحكاية لا بنهاية صاخبة بل ببداية هادئة لأسرة صنعت من اختيار لا من دم