اخفِ هذا الطفل… إنّه الملك القادم قال الرجل الغامض وهو يضع الرضيع بين ذراعي المرأة الفقيرة
اخف هذا الطفل إنه الملك القادم قال الرجل الغامض وهو يضع الرضيع بين ذراعي المرأة الفقيرة
كان الليل يهبط على سهول ويسيكس كستارة كثيفة تخنق الضوء كأن السماء نفسها قررت أن تحبس أنفاسها لم يكن سكون تلك الليلة سكونا عاديا بل صمتا يبتلع كل صوت حتى صرير الأبواب الخشبية ووشوشات الريح التي كانت تعبر الغابة المحيطة داخل كوخ صغير مهترئ يقف عند حدود الغابة كأنه يقاوم السقوط منذ سنوات كانت أماليا تنحني فوق جمرات النار تطفئها واحدة تلو الأخرى لتحتفظ ببعض الدفء حتى الفجر
كان أطفالها نائمين تحت بطانية رقيقة ملتفين حول بعضهم مثل صغار الحيوانات التي تبحث عن حضن أمها وفي الخارج تعالت رائحة المطر القادم وامتزج خرير النهر البعيد بنبضات قلب أماليا القلقة لم تكن تتوقع أي طارئ في مثل هذه الساعات فالكوخ بعيد والليل حارس ثقيل لا يجرؤ أحد على تحديه
كانت تستسلم ببطء لنعاس مرهق حين دوى طرق حاد مزق هدأة المكان شهقت توقف دمها عن الجريان ونظرت إلى الباب الخشبي كأن الوحش يقف خلفه التقطت شمعة صغيرة من الرف ارتجف لهبها حين رفعتها وكأنها تشاركها الخوف ذاته اقتربت من الباب بخطوات محسوبة فدوى الطرق من جديد لكن بنبرة مختلفة ضعيفة مستغيثة
همست من خلف الباب
من هناك
لم تتلق إجابة كان الصمت هو الرد الوحيد لكن حدسا غريزيا ربما أمومتها دفعها لترفع المزلاج بحذر انساب الضباب البارد إلى الداخل ومعه ظهر رجل مغمور
قال بصوت متحشرج
أرجوك أخفي هذا الطفل
تراجعت أماليا خطوة تاه عقلها بين تساؤلات كثيرة من يكون وما هذا الذي يحمله لكنها لم تجد سوى سؤال واحد يخرج من شفتيها
أخفي ماذا ومن أنت
حرك الرجل العباءة فظهر طفل رضيع ملفوف بقماش مطرز بخيوط ذهبية لا يمكن أن تمتلكه عائلة فقيرة شعرت أماليا برعشة غريبة هذا الطفل لا ينتمي لعالمها
قال الرجل بعجلة كمن يتحدث قبل أن يسقط
ليس لدينا وقت هذا الطفل هو الملك القادم
توقف الزمن تلاشت أصوات الليل واشتد الضباب حولهما كأنه يخفي الكون وجدت أماليا يدها تفتح الباب أكثر دون وعي دخل الرجل وتطايرت قطرات المطر من عباءته على الأرض الترابية أطلق الطفل أنينا خافتا لكنه بدا كأنه يحمل العالم كله فوق صدره الصغير
همست أماليا باضطراب
أنا لا أفهم كيف لي أن
قاطعها الرجل بشدة
عليك أن تفعلي لقد فتشوا القرية وسيصلون إلى هنا قريبا إن سألك أحد فقولي إنك لم تري شيئا لا تذكري أي حرف
هزت رأسها لا إراديا رغم أن عقلها لم يستوعب بعد ما يحدث وضع الرجل الطفل على الطاولة وأعاد تغطيته لمع الخيط الذهبي رغم عتمة المكان سألته بصوت ثقيل
من الذي يبحث عنه
قال وهو يلتقط أنفاسه
الذين يريدون إنجلترا قبل طلوع الصباح
بكى
سألته همسا
ما اسمه
تردد الرجل وكأنه يعطيها آخر سر يملكه
إدوارد لكن لا تذكري الاسم أمام أحد
رفعت بصرها لتسأله من يكون لكن الضباب ابتلعه وهو يبتعد بقي الباب مفتوحا على فراغ مخيف وبقي الطفل بين يديها يختبئ في حضن غريب وأم لم تلده
مر الفجر كحلم غير مكتمل حاولت أماليا أن تتصرف كأن شيئا لم يحدث أطعمت أطفالها غلت الماء ومسحت الطاولة التي حملت الملك القادم أخفت الطفل في سلة كبيرة وغطته بخرق وحطب كلما بكى هزته وغنت له تهويدة تعرفها منذ طفولتها
اهدأ يا صغيري لا يسمعونك
لكن صوت حوافر الخيل قطع كلماتها وشق الصباح كالسهم نظرت من نافذتها ورأت أربعة جنود يعبرون القرية يتبعهم رجل يرتدي رداء أحمر يمسح البيوت بنظرات مفترسة طرقوا باب الجارة ثم بابا آخر وكان الوقت يتحرك نحوها كوحش يفتح فمه
قالت لأطفالها بنبرة صارمة
اصمتوا ولا تتحركوا
ثم جاء الطرق
ثلاث ضربات عنيفة هزت كوخها
صرخ الرجل
بأمر من التاج افتحي!
فتحت الباب ووقفت ثابتة قدر استطاعتها اقتحم الرجل ذو الرداء الأحمر المكان بنظرة حادة
نبحث عن فارس بثياب سوداء هل مر أحد من هنا
قالت بصوت ثابت
لا يا سيدي لا يزور هذا المكان أحد
دخل
صدر صوت بكاء مكتوم قرب الموقد
جف دم أماليا
صرخ أحد الجنود
ما هذا
أجابت بسرعة
ابن أختي أمه مريضة وأنا أعتني به
قال قائدهم ببرود
دعيني أراه
قالت برجاء صادق
إن أيقظته سيصرخ حتى المساء
تبادل الجنود النظرات رفع الرجل حاجبه ثم قال
إن رأيت الرجل ذا العباءة السوداء أبلغينا التاج سيكافئك
غادروا
وحين توارى صهيل الخيل خلف الأشجار
سقطت أماليا على الأرض منهارة وضمت الطفل إلى صدرها وهمست
أنت آمن أنت آمن
وتساءلت في داخلها
هل هذا حقيقي أم أن القدر قد أحضر لها مصيرا أكبر من قريتها الفقيرة
انتشرت الشائعات في القرية كالنار في الهشيم لم يكد يمضي يوم على مرور الجنود حتى صار كل همسة تحمل خبرا جديدا الملك يحتضر وريث مفقود الدوق نورثويل يجمع رجاله والدم على وشك أن يغمر الوادي كانت أماليا تسمع تلك الهمسات وهي تدفن وجهها في أعمالها اليومية تشق التربة وتخبز الخبز وتغسل الثياب وكل نبضة في قلبها تقول إن الخطر يقترب أكثر فأكثر
كبر الطفل إدوارد بسرعة لافتة وكأن الخوف نفسه كان ينفخ في روحه القوة عيناه الرماديتان كانتا تراقبان كل شيء كسماء شتوية تترصد العاصفة كانت أماليا تخفيه تحت السرير كلما سمعت صوتا غريبا وتطعمه حليب الماعز