اخفِ هذا الطفل… إنّه الملك القادم قال الرجل الغامض وهو يضع الرضيع بين ذراعي المرأة الفقيرة

لمحة نيوز

من أي حرير في العالم كانت الأمان 
وذات عصر كئيب بينما كانت تجمع حطب الغابة خرجت لها العجوز هستر تتكئ على عصاها تحدق في وجهها بعينين حادتين 
قالت بصوت فاحص 
وجهك شاحب يا ابنتي الليل يبكي من بيتك ما الذي تخفينه
ارتبكت أماليا 
لا أخفي شيئا 
هزت العجوز رأسها كمن يعرف الحقيقة قبل سماعها 
السر مثل الدخان مهما حاولت حبسه يتسرب 
غادرت لكن كلماتها بقيت مثل سكين بارد في قلب أماليا وحين عادت إلى كوخها شعرت أن الظلال أطول وأن الغابة تراقبها وفي تلك الليلة حين كان طفلها توماس نائما سمعت صوت ارتطام خفيف عند الباب ليس طرقا بل رمية 
رفعت المزلاج فاندفع الضباب إلى الداخل وعلى الأرض رأت ورقة صغيرة مطوية بعناية من دون ختم أو علامة فتحتها بيد مرتجفة 
نعلم ما تخفينه 
لم تشعر يوما أن الأرض تسحب أنفاسها كما شعرت حين قرأت تلك الكلمات انطفأت شمعتها وكأن الليل نفسه وافق على التهديد وفجأة دوى من الخارج صهيل خيل واقتربت خطوات ثقيلة 
همست لأطفالها 
توماس خذ أختك لا تتحركا مهما حدث لا تتحركا 
أخفت إدوارد تحت كيس الطحين وهو المكان الوحيد الذي يأكل الخوف ملامحه ثم
ثلاث طرقات كسرت جدار الليل 
افتحي! بأمر الدوق!
فتحت الباب على رجل طويل يملك ندبة عريضة تشق وجهه مثل طريق دموي اقتحم الكوخ من دون كلمة وبدأ رجاله يقلبون كل شيء رفعت البطانيات فتحت الصناديق
ضربت الأواني بالأرض ركل أحد الجنود كيس الطحين بقسوة فخرجت أنينة صغيرة ضعيفة لكنها قاتلة 
قفزت أماليا في اللحظة ذاتها دفعت دلوا مملوءا بالماء فانسكب على الأرض وصاحت 
آسفة! رجلي انزلقت! آسفة يا سيدي!
توقف الجندي صب شتائم غاضبة بينما لوح الرجل ذو الندبة بيده بنفاد صبر 
قال بنبرة ضجرة 
نضيع وقتنا هنا لنذهب 
وحين غادروا سقطت أماليا على ركبتيها تنتفض خوفا واحتضنت الطفل 
ستبقى بخير ستبقى بخير
لكن قلبها كان يعلم أنها تكذب 
بعد أيام قليلة وصلت إلى القرية همسات مرعبة 
جثة فارس وجدت في النهر عباءة سوداء بلا سيف 
ظنت أماليا أن الرجل الذي سلمها الطفل قد مات كان الحزن يمتزج بالذنب لكنها لم تجد وقتا للبكاء كانت الخطر يقترب كذئاب تتعقب رائحة الملك الصغير 
وفي ليلة متعبة حين خمدت آخر جمرة في الموقد دوى طرق خافت لم يكن طرقا عنيفا بدا كأن يدا تحتضر تطلب الرحمة فتحت الباب بقلق 
كان هو 
الرجل صاحب العباءة السوداء لكنه لم يعد كما كان جسده مغطى بجروح عميقة وثيابه ممزقة ووجهه يشبه لون الموت 
قال بصوت مبحوح 
أنا عدت 
فزعت أماليا 
ظننتك مت!
جلس بصعوبة قال وهو يلهث 
كدت لكنني وعدت الملك ريتشارد أن أحمي وريثه حتى آخر أنفاسي اسمي روان فارس الملك 
كان مختلفا عن ذلك الليل في عينيه شيء مظلم شيء مكسور ومع ذلك شعرت أماليا بطمأنينة
غريبة قربه كأن حضوره وحده حاجز بين الموت والكوخ المتواضع 
بقي معهم علم توماس كيف يشق الحطب كيف يمسك السكين وكيف يهرب عند الخطر سهر الليالي يحرس الكوخ لكن كان هناك شيء يخفيه كلمات مقطوعة تسقط من فمه حين يظنها لا تسمع 
هي لا تشك
غدا
الثمن
بدأت الشكوك تكبر مثل ظل يمتد على حياتها 
ثم جاء الهجوم 
جنود الدوق نصبوا كمينا لهم في الغابة قتل أحد رجال القرية وكادوا يطوقون الكوخ لكن روان وقف أمامهم سيفه يشق الظلام قتل رجلا بيد مرتجفة كأنه يحارب نفسه بقدر ما يحارب أعداءه 
ومن هنا بدأ الهروب الكبير 
هربت أماليا وأطفالها وروان عبر الغابات تحت عواصف تضربهم كالسياط بكى إدوارد حتى آلمت ذراعاها من حمله تعثر توماس وسقطت هيلين الصغيرة في الطين وروان ينزف جرحا يرفض أن يلتئم عبروا طواحين مهدمة وأكواخا منسية وديرا بعيدا قبل أن يعثر عليهم جنود الدوق مجددا 
وفي كل مرة كان روان يقف بين الموت وبينهم 
وببطء مؤلم أدركت أماليا أن الرجل الذي دخل حياتها غريبا مظلما ليس عدوا بل روحا مكسورة تبحث عن غفران 
وذات مساء ظهر فارس متهالك عند باب الدير ألدرك الفارس الأول للملك وجهه مغطى بالطين والدم وصوته متهدم 
اهربوا شمالا قبل أن يجتاح الدوق الوادي احموا الطفل بأي ثمن 
سارت بهم أماليا شمالا أسابيع طويلة عبر الجبال والأنهار تجمدوا وجاعوا وكادوا يموتون عشرات المرات لكنهم لم
يتوقفوا وفي النهاية ظهر أمامهم دير القديس أدوين جدرانه العالية وختمه الملكي الذي تعرف عليه الرهبان فور رؤية الطفل 
هناك وجدوا أول ملاذ آمن منذ شهور 
انفجرت الحرب في البلاد احترقت القرى وسقط الملك ريتشارد وتصارع اللوردات على العرش ودعيت أماليا للشهادة أمام مجلس الشمال 
وقفت أمامهم وقالت بصوت ثابت 
نعم أخفيته نعم حميته إن كان ذلك يجرمني فأنا أقبل لكن لن أقف وأرى طفلا يقتل على عتبة قدره 
خفض المجلس رؤوسه واتفق على حماية الأمير وتربيته سرا حتى يبلغ يومه 
لأول مرة منذ ذلك الليل شعرت أماليا بالأمل 
مرت سنوات 
كبر إدوارد قويا وتعلم السيف والقراءة والحكمة كبر أطفال أماليا وعاد إلى حياتها بعض الدفء الذي سرق منها زمنا طويلا شفي روان من جروحه ومن ذنوبه 
وفي يوم مشمس استدعاهم الأمير إدوارد وقد صار ملكا إلى قلعة نورثبريدج وقف أمام أماليا وفتح ذراعيه 
لقد أنقذت حياتي ولا تاج يعلو على شرفك 
منح روان لقب فارس المملكة ومنح أماليا تكريما ملكيا لم يشهد مثله وابتهج الناس 
وفي مساء الاحتفال وجدها روان قرب أسوار القلعة تنظر إلى الأفق قال بصوت خافت 
أنت لم تعودي المرأة التي خبأت ملكا أنت الملكة في قلبي 
ابتسمت والدموع تلمع في عينيها 
وأنت الرجل الذي علمني أن الحب حرية 
سار الاثنان معا تحت ضوء الغروب لا مطاردين ولا خائفين بل شريكين
في طريق اختاراه بقلبيهما 
وهكذا انتهى الطريق الطويل
وبدأ طريق آخر تماما

تم نسخ الرابط