زوجة الأب رمت الطفلة في الشارع بعد جنازة أبيها… لكن المحامي كشف وصية سرّية قلبت حياتها رأسًا على عقب
زوجة الأب رمت الطفلة في الشارع بعد جنازة أبيها لكن المحامي كشف وصية سرية قلبت حياتها رأسا على عقب
لم يكن المطر في ذلك اليوم مجرد طقس عابر كان كأنما السماء انفتحت لتسكب حزنها على الأرض وكأن كل قطرة تنزل تحمل جزءا من وجع روح صغيرة لم تدرك بعد ماذا يعني أن يسلب منها حضن الأمان الوحيد الذي عرفته.
في اللحظة التي انخفض فيها نعش ريتشارد كارتر إلى الحفرة هبت الريح بحدة مزقت المظلات وارتجفت الأشجار العالية المحيطة بالمقبرة كأن الطبيعة ذاتها تعلن حدادها على الرجل الذي كان صلبا في حياته شامخا في مكانته كريما في تعاملاته ثم رحل فجأة من غير وداع.
إلى جوار القبر وقفت إميلي كارتر طفلة لم تتجاوز الثامنة ترتجف بين المطر والبرد والخوف. كانت تضم وردة بيضاء ذبلت أوراقها من البلل وتلتصق بأصابعها الصغيرة كما لو كانت تتوسل لها ألا تتركها. لم تكن تفهم معنى الموت كما يفهمه الكبار لكن الفراغ الذي انشق داخل صدرها كان أكبر من عمرها بكثير بينما ظلت عيناها الزرقاوان معلقتين على آخر جزء من التابوت قبل أن يختفي تحت التراب.
جوارها وقفت مونيكا كارتر زوجة والدها التي حرصت على ألا يتلطخ شيء من أناقتها حتى في جنازة زوجها. بدا أحمر شفتيها صارخا في ذلك الجو الحزين وبدا وجهها متماسكا على نحو يصعب أن يفهم منه أي حزن بل أقرب إلى ما يشبه ضجرا خفيفا من طقوس الجنازة الطويلة. تزوجت مونيكا من ريتشارد قبل عامين فقط وكانت الشائعات عن طمعها في ثروته تتردد في كل زاوية من مجتمع لوس أنجلوس المخملي
أما إميلي فلم تكن تدرك خفايا النفوس ولا أهواء المال كانت تنظر إلى مونيكا نظرة يتيمة تبحث عن بقايا رحمة لكنها لم تجد سوى صلابة باردة تنعكس في عيني المرأة.
ومع انسحاب آخر المعزين وجدت الطفلة نفسها تركب سيارة المرسيدس الفضية بجانب مونيكا تصمت خوفا من السؤال وتكتفي بالنظر إلى النافذة المتساقط عليها المطر. كان الطريق من المقبرة إلى المدينة طويلا وتفاصيله تتلاشى خلف ضباب الحزن والقلق.
لكن الرحلة لم تكتمل.
فجأة توقفت السيارة عند زاوية معتمة قرب شارع سانتا مونيكا بوليفارد حيث تمتزج روائح الأسفلت المبلل بأبخرة السيارات المارة. التفتت مونيكا إليها ببرود كأنها تتحدث إلى شخص غريب لا يمت لها بصلة.
قالت بصوت خال من أي دفء
انزلي.
رفعت إميلي رأسها في حيرة ودموعها تختلط بالمطر.
همست بصوت صغير
إلى أين سنذهب
لكن مونيكا لم تمنحها حتى نعمة النظر إليها.
اكتفت بقول جليدي
نحن لا يوجد نحن. انزلي فقط.
ثم فتحت الباب ودفعته برفق حاسم قبل أن تغلقه على وجه الطفلة وتضغط على دواسة البنزين. اختفت السيارة الفضية وسط العاصفة تاركة وراءها طفلة تقف وحدها في شارع لا يعرفها أحد فيه ترتجف بثوب أسود مبلل تحتضن صورة والدها كما لو كانت آخر ما تبقى من عالمها.
وقفت إميلي لثوان طويلة بدت لها أبدية. ثم بدأت تمشي خطوة بعد خطوة بلا هدف. كانت المدينة تبدو أكبر بكثير مما تتسع له ذاكرة طفلة أضواؤها ترتعش فوق الأسفلت المبتل والناس يعبرون مسرعين لا ينتبهون إلى ظل صغيرة
وفي تلك اللحظة التي كانت على وشك الانهيار مر رجل يحمل مظلة سوداء أنيقة. كاد يعبر من أمامها دون انتباه لكن شيئا ما أوقفه فجأةربما ارتجاف تلك اليد الصغيرة ربما نظرة الخوف في عينيها وربما القدر.
انحنى نحوها وقال بقلق صادق
هل أنت بخير يا صغيرتي
رفعت إميلي رأسها نحوه. كان الرجل يرتدي بدلة داكنة ونظارته تعكس ضوء الشارع لكن خلفها كانت عينان دافئتان تحملان دهشة وشفقة حقيقية.
همست بصوت بالكاد يسمع
ليس لدي مكان أذهب إليه.
وبلحظة أدرك الرجل الحقيقة.
كان اسمه دانيال ريفز أحد أبرز المحامين في لوس أنجلوس. وكان قبل أقل من ساعة في الجنازة نفسها فقد كان المستشار القانوني لريتشارد كارتر والرجل الذي ساعده على إعداد وصيته.
وصية يعرف تفاصيلها جيدا وصية يعرف أنها كانت الضمان الأخير لمستقبل إميلي.
انحنى أكثر وقال بصوت ثابت
أين والدتك
ردت بخفوت مؤلم
رحلت ثم تركتني هنا.
أحس دانيال بشيء يضيق في صدره شيء يشبه الغضب والحزن معا. فتح هاتفه واتصل على الفور بمعارفه في المحكمة وطلب نسخة عاجلة من وصية ريتشارد كارتر.
وبينما كان يقف معها تحت المطر محافظا على أن تبقى هي تحت المظلة لا هو وصلته نسخة رقمية من الوثيقة.
قرأ فتصلب وجهه.
كانت الوصية صريحة لا تحتمل التأويل
جميع ممتلكاتي تحفظ في صندوق ائتماني لصالح ابنتي إميلي كارتر حتى تبلغ الحادية والعشرين.
لا ذكر لمونيكا.
لا حق لها.
لا شيء.
رفع عينيه نحو الطفلة وقال بصوت منخفض لكنه يحمل وصية رجل ميت
إميلي يبدو أن والدك
وبدأ مصيرها يتغير منذ تلك الليلة.
استيقظت إميلي في صباح اليوم التالي على صوت أمواج المحيط تضرب رمال الشاطئ بلطف وصوت النوارس يعلو وينخفض كأنه جوقة ترحيب غريبة في مكان لم تعتده. لثوان ظنت أنها في حلم دافئ لكن حين التفتت ورأت صورة والدها موضوعة على الطاولة الصغيرة بجانب السرير عاد الثقل إلى قلبها كحجر يسقط في بئر عميقة.
كانت الغرفة واسعة جدرانها بيضاء تتلألأ عليها أشعة الصباح والنافذة الكبيرة تطل على المحيط الهادئ الذي بدا بلا نهاية. الملاءة كانت ناعمة ورائحة الملح تملأ الهواء لكنها لم تشعر بأي أمان لم تشعر إلا بالفراغ الذي أعقب العاصفة.
في الأسفل كان دانيال ريفز يجول في المطبخ الهادئ وهو يتحدث عبر الهاتف. كان صوته هادئا في نبرته لكنه حاد في جوهره
نعم أفهم ولكن كيف لم تسجل الوصية في السجلات فور وفاة السيد كارتر
سادت لحظة صمت على الطرف الآخر ثم بدأت أعذار واهية تتكرر تأخير في الأوراق التباس إداري ملف مفقود عبارات يعرف دانيال جيدا أنها ليست إلا ستارا يخفي تورطا أو تلاعبا.
أغلق الهاتف بقوة كمن يطوي صفحة مزيفة في كتاب وتمتم بحدة خافتة
ناقصة كلمة مريحة جدا لمن يخشى الحقيقة.
نزلت إميلي إلى الأسفل بخطوات مترددة وما إن رآها حتى هدأت ملامحه القاسية وعاد الرجل الذي حمل المظلة فوق رأسها طوال الليل.
قال بابتسامة خفيفة
صباح الخير يا صغيرة أحضرت لك فطائر ساخنة. لا بد أنك جائعة.
جلست بصمت تنظر إلى الطبق لكنها لم