كان الملياردير على وشك أن يخسر شركته عند الساعة العاشرة صباحًا
كان الملياردير على وشك أن يخسر شركته عند الساعة العاشرة صباحا إلى أن اكتشف عامل نظافة أسود الخطأ القاتل.
يا رب ارحم
خرجت الكلمات من فم مايا ويليامز قبل أن تنتبه أنها نطقت بها بصوت مسموع. ولم يكن خروجها إلا انعكاسا للاضطراب الذي اجتاح صدرها في لحظة خاطفة لحظة رأت فيها شيئا لم يكن ينبغي لعينيها أن تلمحاه أبدا.
كانت تقف قرب الجدار الزجاجي للمكتب التنفيذي تؤدي عملها الروتيني في تنظيف الممرات حين وقعت عيناها على ريتشارد فوغن ذلك الرجل الذي لا يراه الناس إلا محاطا بهيبة الثروة متوجا بهالة من الصلابة والثقة أنيق المظهر ثابت النظرة لا يخطئ في تقدير خطوة ولا يرتبك أمام أزمة. غير أن هذا الصباح لم يكن كالأيام السابقة ولا شيء فيه يشبه الصورة التي يعرفها الجميع عنه.
كان منحنيا فوق مكتبه منكفئا على كومة من الأوراق كأنها حمل يوشك أن يسحق كتفيه. وبدا وجهه الذي اعتاد الموظفون رؤيته شديدا صارما شاحبا وكأنه نزف منه لون الحياة. وكانت يده اليمنى ترتجف ارتجافا دقيقا وهو يلتقط قلما أسود لامعا. تردد لحظات قبل أن يضع القلم فوق صفحة ما. صفحة واحدة فقط لكنها كانت كفيلة بإنهاء إمبراطوريته بأكملها.
تجمدت مايا في مكانها وشعور غريب أشبه بطعنة باردة التف في معدتها. لم تكن تفهم ما الذي يحدث لكنها كانت متأكدة أن ما يوشك الرجل على توقيعه ليس أمرا عاديا.
وقبل أن تستجمع أفكارها دوى خلفها صوت غليظ أجش
ماذا
استدارت مايا بفزع لتجد السيد كارفر مشرف الطابق يتقدم نحوها بخطوات تشبه زئير قطار لا يستطيع أحد إيقافه. كان ضخم الجسد عريض الرقبة يتصبب غضبا كما لو أن وجودها بحد ذاته إهانة لا تغتفر. وكانت رائحة القهوة الحامضة التي تفوح منه تزيد المشهد قسوة.
قال باحتقار وهو يقترب منها
أنا أسألك ماذا تفعلين
تمتمت مايا بصوت متقطع
أنا فقط أقوم بجولتي يا سيدي.
كرر الكلمة كمن يلوكها بسخرية
جولة! هكذا تسمين التلصص الآن
شهقت مايا لا يا سيدي لم أقصد أنا فقط
لم يدعها تكمل. اندفعت كلماته فوق رأسها كصفعة قبل الصفعة
رأيتك تراقبينه! أمثالك دائما يبحثون عن طريق مختصر تبحثين عن شيء تبيعينه للصحافة!
اشتعل وجهها بالخجل. أحست بالإهانة تلسعها من الداخل لكن قبل أن تفتح فمها للدفاع عن نفسها تحركت يده سريعا أسرع من قدرتها على تقدير ما يحدث.
صفعة.
لم تسمع الصوت بقدر ما شعرت بالدم يتدفق خلف أذنها والوجع ينتشر فوق خدها كشرر نار. تراجعت خطوة فاصطدمت بعربة التنظيف فسقطت قارورة مطهر على الأرض وارتفع صوت ارتطامها المعدني في الممر الصامت.
امتلأت عيناها دموعا لكنها لم تبك. لم يكن البكاء مسموحا لها أمام رجل كهذا. كل ما استطاعت أن تفعله هو أن تهمس
آسفة يا سيدي لن يتكرر ذلك.
أدار وجهه عنها بغل وقال بحدة
هذا سيعلمك أن تعرفي مكانك.
دفعت مايا عربة التنظيف وهي تتنفس بصعوبة وكأن الهواء ثقيل عليها. وما
كان المكتب فارغا.
لا أثر له.
بقي الكرسي الجلدي خلف المكتب الماهوغني الضخم فارغا وبقيت رائحة عطره الفاخر معلقة في الجو كأن الوقت توقف لحظة خروجه.
لم يكن يفترض بها الدخول. لكنه شيء أقرب إلى النداء جذبها. شيء لم تستطع مقاومته.
كان المجلد الذي كان يطالع فيه ما يزال فوق المكتب. اقتربت ببطء ولما رأت العنوان انكمش قلبها فجأة
إعلان إفلاس الشركة المقدم من ريتشارد فوغن
اشتد نفسها وكأن أحدا ضغط على صدرها بقبضته.
صفحات المستند مملوءة بأرقام ضخمة خطوط حمراء وبيانات ديون تتجاوز الأربعة والستين مليون دولار. تكاد مايا لا تصدق عينيها. مجموعة فوغن للتطوير على وشك السقوط!
بدأت تتصفح قائمة الدائنين اسما بعد آخر. معظمها غريب حتى وقعت عيناها على اسم واحد اسم جعل الأرض تميد تحتها
تجمدت في مكانها.
تداخلت الحروف أمام عينيها كأنها ذكرى تطفو من ظلمة قديمة. ثم جاءتها الصور صورة والدها الأوراق الممزقة صوته المتهالك وهو يقول لها ذات يوم
انتهيت يا مايا لا أحد سيصدق رجلا مثلي. ولا أحد سيقف ضدهم.
كانت صغيرة وقتها ضعيفة لا تملك سوى النظر إليه وهو يحطم.
والآن الاسم ذاته يعود ليقف أمامها لكن هذه المرة في أوراق تخص واحدا من أكبر رجال الأعمال في البلاد. شعرت ببرودة تلف أطرافها وكأن القدر
أغلقت المجلد ببطء. مسحت دموعا لم تعرف إن كانت غضبا أم خوفا أم ذكرى موجعة. لكنها شعرت يقينا واحدا
لو لم تخبر ريتشارد الآن سينهار كما انهار والدها.
نظرت إلى الساعة.
التاسعة وثلاث وأربعون دقيقة.
الاجتماع المصيري في العاشرة.
أدركت أنها أمام سباق مع الزمن.
وانطلقت.
ركضت مايا عبر الممرات الطويلة والخوف يدفعها كما يدفع التيار ورقة في نهر هائج. كانت قد تركت عربة التنظيف خلفها ولم تفكر في حقيبتها الصغيرة أو بطاقتها الوظيفية أو نظرات الموظفين المندهشة. لم يكن في رأسها سوى فكرة واحدة تتردد بقوة
عليه أن يعرف قبل أن يوقع.
لم تلتقط أنفاسها وهي تتجه للمصعد لكنها توقفت فجأة. تذكرت أن استخدامها للمصعد غير مسموح. شعرت بالانهيار للحظة ثم التفتت نحو السلالم. لم يكن أمامها خيار آخر.
هبطت أربعين طابقا كأنها تسقط من قمة جبل. كانت خطواتها تتردد في الدرج الإسمنتي الباهت وركبتاها ترتجفان لكن الخوف على رجل لا تعرفه شخصيا أكثر من معرفته العابر لعب دوره العجيب في قوتها.
وحين وصلت الردهة شعرت بدوار خفيف. أمسكت بالجدار ثم دفعت نفسها إلى الأمام.
التفتت يمينا ويسارا تبحث عنه. كان الموظفون يتحركون حولها ببدلات أنيقة ووجوه مشغولة وهمسات تسبق اجتماعا لا يعرف أحد تفاصيله. لكن مايا لم تر أيا منهم كانت تبحث عن رجل واحد فقط.
ثم رأته.
عبر الزجاج الخارجي كان