كان الملياردير على وشك أن يخسر شركته عند الساعة العاشرة صباحًا

لمحة نيوز

بدا أثقل من عادته كأن الأوراق التي كان يوقعها قبل قليل معلقة فوق كتفيه.
رفعت مايا صوتها لكنه خرج ضعيفا. حاولت مرة أخرى بقوة أكبر
السيد فوغن! انتظر!
توقف المساعد أولا وهو يتأفف منزعجا أما ريتشارد فاستدار ببطء وكأنه لا يصدق أن أحدا يناديه بهذه الطريقة. وعندما رأى آثار الصفعة على وجهها ارتفع حاجباه قليلا.
اقتربت منه بخطوات مترنحة ومدت الأوراق إليه بيد ترتجف
لا توقع أرجوك. الأوراق مزورة.
نظر إليها ريتشارد نظرة قصيرة ثم نظر إلى مساعده الذي كاد ينفجر ضحكا لو لم يرفع ريتشارد إصبعه بصمت يأمره فيه أن يصمت.
قال لها بنبرة هادئة لم تتوقعها
اشرحي.
تنفست بعمق وأخبرته أخبرته بكل شيء اسم الشركة والدها المواد التالفة التلاعب بالفواتير الأسعار المزيفة والخداع الذي لم يحاسب أحد عليه. كانت كلماتها تنطلق كأنها حكاية ظلت محتجزة في صدرها سنوات طويلة تبحث عن منفذ.
كان يستمع بصمت دون أي مقاطعة. عيناه تتحركان بين الأوراق ثم ترتفعان إليها ثم تعودان إلى الأرقام. وكلما غاص في التفاصيل ازدادت نظراته حدة.
وحين انتهت وقف مشدودا كأنه تلقى ضربة غير مرئية.
قال ببطء بصوت يقطر استيعابا مفجعا
إن كان هذا صحيحا فهذا يعني أن أحدا من داخل الشركة يزودهم
بالمعلومات.
ارتجفت مايا. لم تفكر في هذا الاحتمال أصلا لكنه بدا الآن حقيقة مرعبة.
أغلق ريتشارد الملف بقوة والتفت إلى مساعده
ألغ كل اجتماعاتي. حالا.
ثم نظر إلى مايا
تعالي معي.
كانت هذه الجملة وحدها كفيلة بأن توقف قلبها لثوان. لم يحدث يوما أن دعا المدير التنفيذي عامل نظافة للحاق به بل ولم يحدث أن نظر إليها أحد من قبل باعتبارها شيئا أكثر من أطراف مكنسة.
لكنها تبعته.
صعدوا إلى الطابق التنفيذي. وما إن وصلوا قسم المحاسبة حتى دوى صوته القوي
أريد كل سجلات الموردين للأشهر الستة الماضية الآن.
تجمد المكان ثم اندفع الموظفون بسرعة يجمعون الملفات. وكانت النظرات تتساقط على مايا من كل اتجاه من هذه ولماذا تقف بجانبه وكيف وصلت إلى هنا
جلس ريتشارد على طاولة الاجتماعات الطويلة وأشار إلى الكرسي المقابل له.
اجلسي.
جلست رغم القلق الذي يطرق قلبها بعنف وبدأ يراجع الصفحات واحدة تلو الأخرى. كان يقارن التواريخ يراجع الفواتير يفحص التوقيعات بإمعان. وبدا أن شيئا مظلما يتكشف ببطء تحت يديه.
ثم توقف فجأة.
تحولت ملامحه إلى صدمة بطيئة. رفع ورقة محددة حدق فيها طويلا ثم قال بصوت أشبه بالاختناق
هذا توقيع مدير المالية.
لم يكن توقيعا واحدا. بل عشرات.
كلها تشير إلى تلاعب واضح.
قال بصوت ارتجف غضبا وخيانة
كان يزور الفواتير لأشهر. لا بل لسنوات! كان يفرغ الشركة من الداخل.
غطت مايا فمها بيدها. كان مدير المالية الرجل الذي يثق به الجميع والذي يشيدون بأمانته في كل اجتماع.
وإذ فجأة يفتح باب المكتب بعنف.
دخل كارفر وجهه متهجما وقد بدا أنه علم أن مايا مع المدير التنفيذي. صرخ وهو يشير إليها
أنت! قلت لك أن تبقي فمك مغلقا!
تجمدت مايا لكن هذه المرة لم تكن وحدها.
وقف ريتشارد في لحظة واحدة تقدم خطوة وقال بصوت حاد كالسيف
إن رفعت يدك عليها مجددا فلن تعمل يوما واحدا في هذه المدينة. أفهمت
تراجع كارفر خطوة مذهولا من النبرة التي لم يسمعها من قبل.
أنت مطرود قالها ريتشارد ببرود قاتل.
خرج كارفر وهو يتمتم بكلمات غاضبة لكن الموقف كان قد انتهى.
وبعد ساعات من التحقق والتدقيق اكتمل اللغز. لم يكن الإفلاس حقيقيا بل كان شركاؤه يجرونه نحوه ببطء. مدير المالية متورط وشركة كانت العقل المدبر تماما كما فعلوا بوالد مايا.
وقف ريتشارد أمام النافذة الزجاجية يحمل ملف الإفلاس بيدين ثابتتين وقال بصوت منخفض
لو وقعت لخسرت كل شيء.
ثم التفت نحو مايا. كانت واقفة بصمت لكنها تحمل في عينيها قوة جديدة لم تتوقعها
من نفسها.
قال لها
لقد أنقذت حياتي وشركتي.
لم تجد ما تقول فاكتفت بأن تنظر إلى الأرض.
ثم قال بصوت واضح
أريدك أن تعملي معي ليس كعاملة نظافة. بل في قسم التدقيق الداخلي. لديك عين ترى ما لا يراه الآخرون.
اتسعت عيناها. لم تحلم يوما بفرصة كهذه.
أنا لا أعرف إن كنت أستحق قالتها هامسة.
ابتسم لأول مرة منذ يوم طويل
أنت أكثر من يستحق.
وبدأت مايا في منصبها الجديد. لم يكن الطريق سهلا ظهرت تهديدات خفية ووشايات ونظرات استخفاف. لكن ريتشارد كان يعتمد عليها اعتمادا حقيقيا وشيئا فشيئا أدرك الموظفون أن مكانها لا منحة.
وبعد ثلاثة أسابيع ومع اكتمال الأدلة ألقت الشرطة القبض على مدير المالية وعدد من المتورطين. تحولت القضية إلى حديث المدينة.
وفي مؤتمر صحفي كبير وقف ريتشارد أمام الصحفيين وقال
لولا مايا ويليامز لما كنا هنا اليوم.
ثم دعاها للصعود. صعدت وسط تصفيق يربك القلب. وبكت. ليس حزنا بل لأن والدها لم ير هذا اليوم الذي طالما حلم أن تحققه ابنته.
وبينما غادرا القاعة همس لها ريتشارد
هذه ليست النهاية بل البداية.
ولأول مرة منذ سنوات شعرت مايا أن صوت والدها لم يختف بل عاد يعيش بداخلها في قوتها وفي الشجاعة التي لم تعرف أنها تملكها.
وأن الحقيقة
التي لم يسمعها أحد أصبح لها صوت.
وصوتها كان صوت مايا.

تم نسخ الرابط