اخفِ هذا الطفل إنّه الملك القادم قال الرجل الغامض وهو يضع الرضيع بين ذراعي المرأة الفقيرة
بسرعة غريبة وكان ينظر إليها بعينين رماديتين كسماء الشتاء. أخفته تحت السرير عند أي صوت أطعمته حليب الماعز ولفته ببطانية خشنة.
وذات يوم وهي تجمع الحطب ظهرت العجوز هستر تستند إلى عصاها.
لم تنامي يا ابنتي قالت بنبرة فاحصة. وجهك شاحب ما الذي تخفينه
لا أخفي شيئا.
هزت العجوز رأسها. الهموم لا تبكي ليلا بلا سبب.
تصلبت أماليا. بم تعنين
رأيت رجالا غرباء قرب كوخك الغابة لا تخفي الأسرار.
عادت أماليا إلى منزلها وارتجاف جديد يأكل صدرها.
وبالليل سمعت صوت سقوط شيء عند الباب ليس طرقا بل رمية.
فتحت الباب قليلا ضباب فقط. وعلى الأرض ورقة مطوية لا ختم ولا توقيع
نعلم ما تخفينه.
ارتجفت يداها ودوى في الخارج وقع حوافر من جديد.
توماس! همست. خذ أختك لا تتحركا!
أخفت الطفل تحت كيس الطحين.
ثلاث طرقات كسرت الجدران.
افتحي! بأمر الدوق!
فتحت الباب على رجل ذو ندبة طويلة ونظرة قاتلة. اقتحم الكوخ قلب الكراسي
خرجت أنة صغيرة.
قفزت أماليا بسرعة وأسقطت دلوا من الماء.
آسفة! آسفة يا سيدي!
تراجع الجندي غاضبا وهو يشتم. لوح الرجل ذو الندبة بيده بضجر.
نضيع وقتنا هنا لنذهب.
ما إن ابتعدوا حتى انهارت أماليا تنتفض خوفا. أخرجت إدوارد .
ستكون بخير ستكون
لكنها لم تعد تصدق كلماتها.
بعد أيام جاءتها همسات جثة فارس وجدت في النهر عباءة سوداء بلا سيف.
كادت تسقط وهي تحمل الماء.
في تلك الليلة ومع آخر خفقة من النار دوى طرق خافت.
أنا
كان الرجل الذي سلمها الطفل يعود إليها جريحا مقطع الملابس.
لقد أصابوني لكنني هنا لأحميه.
جلست مذهولة. ظننتك مت!
كدت جلس بصعوبة. أنا روان فارس الملك ريتشارد.
كان مختلفا شيء مظلم في عينيه ومع ذلك شعرت براحة غريبة.
بقي روان ساعدها علم توماس شق الحطب وسهر الليل يحرسهم. لكنه كان يخفي أسرارا كلمات مقطوعة تسربت إلى مسامعها
إنها لا تشك بشيء
غدا
الثمن
بدأ
ثم عاد الجنود.
ثم وقع الكمين.
وقتل روان رجلا في الغابة.
ومن هنا بدأ الهروب الكبير.
هربوا عبر الغابات تحت عواصف ممطرة. بكى الطفل حتى آلمت ذراعاها. تعثر أطفالها من الإرهاق ونزف روان من جروح رفض علاجها.
عثروا على طواحين مهدمة أكواخ منسية ودير بعيد حتى هاجمهم جنود الدوق مجددا.
ومرة بعد مرة وقف روان بين الموت وبينهم.
وببطء مؤلم فهمت أنه ليس عدوا.
هو رجل مكسور يبحث عن الخلاص.
عاد ألدرك الفارس الأول نصف ميت يحمل آخر تحذير
اهربوا شمالا قبل أن يجتاح الدوق الوادي.
سارت بهم أماليا شمالا. عبروا الجبال والأنهار. حاربوا وجاعوا وتجمدوا. كادوا يموتون أكثر من مرة.
لكنهم وصلوا أخيرا إلى دير القديس أدوين.
هناك تعرف الرهبان إلى الختم الملكي وهناك وجدوا أول ملاذ منذ أسابيع طويلة.
اشتعلت الحرب.
احترقت القرى.
انهار الملك.
وتنازع اللوردات على العرش.
واستدعيت أماليا أمام مجلس
نعم أخفيته. نعم حميته. إن كان ذلك يجرمني فأنا أقبل. لكنني لن أرى طفلا يقتل على عتبة قدره.
خفض المجلس رؤوسه وتم الاتفاق على حماية الطفل وتربيته سرا حتى يأتي يومه.
وللمرة الأولى منذ تلك الليلة شعرت أماليا بالأمل.
مرت سنوات.
كبر إدوارد قويا. وترعرع أطفالها في أمان.
وروان شفي تدريجيا. لا من جروحه فقط بل من ذنوبه.
وفي يوم من الأيام استدعاهم الملك الشاب إلى قلعة نورثبريدج. وحين وقف أمامها فتح ذراعيه
لقد أنقذت حياتي ولا تاج يعلو شرفك.
نال روان لقب فارس المملكة.
ونالت أماليا تكريما ملكيا.
وابتهج الناس جميعا.
وفي مساء الحفل وجدها روان واقفة تحت سماء القلعة.
أنت لم تعودي المرأة التي خبأت ملكا قال بصوت خافت. أنت الملكة في قلبي أنا.
ابتسمت والدموع في عينيها.
وأنت الرجل الذي علمني أن الحب حرية.
سار الاثنان معا في ضوء الغروب لا مطاردين ولا خائفين بل شريكين في طريق اختاراه
وهكذا انتهى الطريق الطويل وبدأ طريق آخر تماما.