عامل البناء الذي صنع دكتورًا… وليس بيتًا! الحقيقة التي أبكت أستاذ الجامعة أمام الجميع
عامل البناء الذي صنع دكتورا وليس بيتا! الحقيقة التي أبكت أستاذ الجامعة أمام الجميع
حين انتهت المناقشة تقدم الأستاذ سانتوس ليصافحني ويصافح أفراد أسرتي واحدا تلو الآخر كان المشهد كله يبدو عاديا حتى اللحظة التي وصل فيها إلى تاتاي بن عندها فقط توقف الرجل عن الكلام حدق طويلا في وجهه وتبدل تعبيره ببطء كما لو أن ذكرى قديمة انبثقت من رماد السنوات وعادت لتقف أمامه لم أفهم ما الذي جرى في تلك الثواني القليلة لكنني أحسست بأن شيئا خفيا يتحرك في تلك المساحة الصغيرة بين الرجلين
ولدت في أسرة لم تكتمل يوما فما إن تمكنت قدماي من الوقوف والمشي حتى وقع الانفصال بين والدي أخذتني أمي لورنا برفقتها إلى نويفا إيسيخا تلك القرية التي تتكثف فيها بساطة الحياة حتى تكاد ترى ملامح الفقر على التراب والهواء والبيوت القشية المنتشرة قرب حقول الأرز كنت صغيرة جدا حين حدث ذلك حتى إنني لم أعد أذكر ملامح والدي البيولوجي إلا كظل بعيد يمر في الذاكرة بلا صوت
كبرت وأنا أدرك بلا لغة ولا شرح أن طفولتي كانت ناقصة ناقصة في الدفء ناقصة في الشعور بالأمان ناقصة في ذلك الاحتضان
وعندما بلغت الرابعة من عمري طرق رجل بسيط أبواب حياتنا عامل بناء نحيل الجسد تكسوه الشمس ببصماتها الداكنة ويفوح منه دائما شيء من رائحة التراب والإسمنت جاء بلا مال بلا بيت بلا شيء يميزه سوى يدين خشنين وظهر يعرف معنى التعب لم أحبه في البداية بل نظرت إليه بريبة طفل وجد غريبا يشاركهما حياتهما الصغيرة كان يخرج قبل الفجر ويعود بعد حلول الليل منهكا متربا متعبا بما يكفي ليجلس على كرسي منسدل ويغفو بلا شكوى
لكنه كان الرجل الأول الذي أصلح دراجتي القديمة حين تحطمت والرجل الذي رقع نعلي الممزق دون أن يطلب ثمنا أو يمتن صنيعا كنت أثير الفوضى في البيت أسقط الأشياء وأكسر ما يقع تحت يدي ومع ذلك لم يصرخ بي يوما لم يعاقبني لم يوبخني كان ينحني في صمت يجمع شظايا ما كسرت وكأن صمته وحده درع يحمي طفولتي الهشة
وحين تعرضت للتنمر في المدرسة عاد بي إلى البيت على دراجته لا يلومني ولا يلوم الأطفال الآخرين لكنه قال جملة واحدة علقت في قلبي
لن أجبرك على مناداتي بالأب لكن إن احتجت تاتاي يوما فستجدينه خلفك
لم أجب لم أملك الكلمات لكني في اليوم التالي ناديته تاتاي ولا أدري لماذا خرجت الكلمة من فمي وكأنها كانت تبحث عن موطنها منذ زمن
كبرت وكبرت صورة تاتاي في داخلي رجل يعود ليلا ويداه مشققتان من الجير يحمل أكياس الإسمنت يصعد السقالات ويهبطها ثم يسألني بعد كل ذلك
كيف كان يومك في المدرسة
لم يكن متعلما لم يكن يعرف شيئا عن المعادلات أو النصوص أو العلوم لكنه كان يقول بثقة رجل يعرف الحياة أكثر مما يعرف الكتب
ربما لن تكوني الأولى في صفك دائما لكن لتكن معرفتك سندا لك الناس يحترمون من يعرف
كانت أمي فلاحة تعمل في الحقول وتاتاي عامل بناء بالكاد يكفي دخلهما لسد حاجات البيت كنت متفوقة في المدرسة لكنني لم أجرؤ على أحلام كبيرة كانت أحلامي مسكينة مثل ملابسنا وأطباقنا وأيامنا البسيطة
وحين اجتزت اختبار القبول لجامعة في مانيلا بكت أمي طويلا أما تاتاي فجلس على الشرفة يدخن سيجارته الرخيصة في صمت وفي اليوم التالي باع دراجته النارية الوحيدة الشيء الأكثر
الجامعة تحتاج مالا لا تقلقي تاتاي يتدبر دائما
في يوم سفري إلى المدينة ارتدى قبعة بيسبول قديمة وقميصا متجعدا وكان عرقه يلمع فوق ظهره من شدة الحر حمل صندوقا من هدايا القرية أرزا سمكا مجففا فولا سودانيا كل ما استطاع أن يقدمه لي كي لا أشعر بالغربة
وقبل أن يغادر قال بصوته الخشن
ابذلي جهدك وادرسي جيدا
لم أبك أمامه لكن حين فتحت غداء أمي داخل السكن الجامعي وجدت ورقة مطوية بعناية مكتوبا فيها بخط مرتجف
تاتاي لا يفهم ما تدرسينه لكنه سيعمل لأي شيء يخصك لا تقلقي
مرت السنوات أتممت دراستي الجامعية ثم الدراسات العليا وتاتاي ظل يعمل ازدادت يداه خشونة وازداد ظهره انحناء لكنه حين كنت أرجوه أن يرتاح كان يقول دائما
تاتاي لا يزال قادرا وحين يتعب يتذكر أنه يربي دكتورة
لم أخبره وقتها أن الدكتوراه تحتاج جهدا أكبر مما يظن لكنه كان السبب الوحيد الذي جعلني لا أستسلم أبدا
وفي يوم المناقشة كان كل شيء ينتظر لحظة الانفجار الكبرى
في يوم مناقشة رسالتي