عامل البناء الذي صنع دكتورًا… وليس بيتًا! الحقيقة التي أبكت أستاذ الجامعة أمام الجميع
تاتاي طويلا ليحضر كان يشعر بالخجل من نفسه من ثيابه البسيطة من يديه اللتين لا تشبهان أيدي الرجال الذين يقفون عادة في قاعات الجامعات الكبرى لكنه وافق في النهاية وذهب ليستعير بدلة قديمة من ابن عمه وانتعل حذاء ضيقا لا يناسب قدميه واشترى قبعة جديدة من السوق الشعبي ليتناسب مظهره كما ظن مع يوم كبير كهذا
حين دخل القاعة جلس في الصف الخلفي حاول أن يستقيم قدر استطاعته لكن ظهره المنحني من سنوات العمل ظل يفرض حضوره كانت عيناه معلقتين بي تتابعان حركتي كأنما تحاولان اللحاق بي في الطريق الذي صنعه لي ولم يمشه هو يوما
انتهت المناقشة ووقف الأستاذ سانتوس يصافح أفراد عائلتي وحين وصل إلى تاتاي توقف فجأة حدق فيه طويلا ثم تهلل وجهه بدهشة دافئة لا تخطئها العين
قال بصوت منخفض ولكنه مفعم بانفعال قديم
أأنت مانغ بن
ارتبك تاتاي قليلا كما لو أن اسمه عاد من مكان بعيد ثم هز رأسه بإيماءة خجولة
تابع الأستاذ بلهجة تزدحم بالذكريات
عندما كنت طفلا كان منزلنا قريبا من موقع بناء عملت فيه في كيزون سيتي أتذكر يوما حملت فيه أحد العمال المصابين من أعلى السقالة رغم أنك كنت مصابا أنت أيضا لم أنس ذلك اليوم
لم يمهله تاتاي ليرد بشيء إذ تابع
لم أتوقع أن أراك هنا والدا لدكتورة جديدة إنه لشرف كبير لي
التفت نحو تاتاي فرأيته يبتسم تلك الابتسامة التي تشبه شقوق الأرض بعد المطر ابتسامة صامتة لكن عينيه كانتا حمراوين وفيهما ارتجاف خفيف لم أعرفه عنه من قبل حينها فقط أدركت الحقيقة التي غابت عني طويلا
خمسة وعشرون عاما ولم يطلب مني شيئا لم يطلب شكرا ولا مردودا ولا حتى اعترافا واليوم فقط اليوم حصل على تقدير لم يسع إليه يوما بل زرعه في قلبي بصمت منذ طفولتي
مرت السنوات صارت الأكواخ القشية في نويفا إيسيخا جزءا من ذاكرة بعيدة والطرقات الطينية التي كنت أجري فيها صارت حكاية أحكيها لطلابي صرت محاضرة جامعية أشرح نظريات معقدة لم أكن أعرف أسماءها يوما وأكتب أبحاثا لا يفهمها إلا قلة صار لي منزل دافئ وأسرة صغيرة وطفل يملأ عالمي
لكن العالم لا يعرف الحقيقة خلف هذا كله
أما تاتاي بن ذلك الرجل الذي عجنته الشمس وسودته الأيام وصقلته السقالات فلم يعد يقف فوق الأعمدة الحديدية ولا يحمل أكياس الإسمنت تقاعد من كل ذلك وأصبح يعيش بوتيرة أبطأ بكثير وكأن السنوات قررت أخيرا أن تتركه يرتاح
صار يزرع الخضروات خلف البيت طماطم وباذنجان وبصل أخضر وفلفل حار يفاخر به
وأحيانا يتصل بي عبر الفيديو ووجهه يلمع تحت ضوء الشمس الأفقي يفتخر بحديقة الخضار خلف البيت ويقلب الكاميرا ليريني كيف كبرت شتلات الكوسا وكيف بدأت الطماطم تزهر ثم يقول بصوته الحنون
تعالي يوما وخذي بيضا لطفلك بيض تاتاي أحسن من السوق
أسأله أحيانا حين يلين قلبي بلا سبب واضح سؤالا يجعل صوته يضحك تلك الضحكة الخشنة التي تشبه احتكاك الحجارة
ألا يساورك الندم يا تاتاي أمضيت حياتك كلها تعمل وتكد فقط من أجل ابنتك ألم تضح بأحلامك
فيهز رأسه بثقة رجل يعرف معنى القناعة أكثر مما نعرفه نحن أصحاب الشهادات ويجيب بصوته العميق
لا ندم نعم حملت الطوب وصعدت السقالات وتأذت يداي وقدماي وظهري لكن أعظم ما بناه تاتاي لم يكن بيتا من جدران أعظم ما بنيته هو إنسانة مثلك
حين يقول ذلك تتجمد الكلمات في حلقي لا أستطيع الرد أكتفي بالنظر إلى يديه عبر الشاشة اليدان اللتان
يداه حملتا حقيبتي يوم أوصلني إلى الجامعة
يداه صنعتا لي طريقا لم يكن يعرف أنني سأكمله
يداه حملتا مستقبلي دون أن يطلب شيئا
أنا اليوم أكاديمية تحمل لقبا كبيرا أقف أمام طلابي بثقة وأكتب اسمي في نهاية الأبحاث بجانب لقب طويل يشعر الناس بالإعجاب
لكن الحقيقة التي لا يعرفها أحد هي أن الرجل الذي يستحق كل تلك الألقاب لم يكن أستاذا ولا عالما بل كان عامل بناء بسيطا اسمه تاتاي بن
لم يرتد بدلة فاخرة
لم يجلس خلف مكتب
لم يمتلك مالا ولا شهادات
ومع ذلك كان هو الرجل الوحيد الذي حملني دون مقابل ودفعني للأمام دون انتظار شكر ووقف خلفي حين لم يكن خلفي أحد
لقد ظن العالم أنه
بناء يشيد الجدران
لكنني أعرف الحقيقة كاملة
لم يبن لي بيتا فقط
بل بنى إنسانة
لم يخطط مستقبلي على الورق
بل شكله بيديه المتشققتين
لم يعلمني كيف أكون غنية
بل كيف أكون صالحة
لم يمنحني ثروة
بل منحني عمره
وإن كان العالم يحتفي بي اليوم فأنا أعلم يقينا أن البطولة الحقيقية كانت له هو
تاتاي