حين رآها تتسوّل مع ثلاثة أطفال يشبهونه… انهار عالمه في لحظة
حين رآها تتسول مع ثلاثة أطفال يشبهونه انهار عالمه في لحظة
في صباح شتوي ثقيل من صباحات ديسمبر حين تتدلى الغيوم الرمادية فوق ناطحات السحاب في شيكاغو كأنها أغطية من رصاص توقفت سيارة تسلا سوداء لماعة أمام مقهى فخم في شارع ميشيغن العريض. ترجل منها رجل طويل القامة يضع وشاحا صوفيا حول عنقه ويتفحص شاشة هاتفه كمن يحاول الإمساك بكل ثانية من يوم مزدحم. كان ذلك هو إيثان والاس مليونير التكنولوجيا الذي لم يتجاوز الخامسة والثلاثين بعد والذي اعتاد أن يبدأ صباحه بقهوة سريعة قبل أن يندفع إلى اجتماعات لا تنتهي.
لكن ذلك الصباح لم يكن كغيره.
كان إيثان يراجع بريده الإلكتروني يمر بين الرسائل كما يمر السكين في الماء حين لفت انتباهه مشهد عند طرف الرصيف. توقف عن الحركة وكأن الزمن انكمش فجأة حول نقطة واحدة لا يراها سواه. ثم رفع رأسه ببطء وقد اتسعت عيناه بذهول نادر.
هناك عند الجدار المكسو بطوب أحمر قاتم كانت تجلس امرأة يبدو عليها الإرهاق يتشابك شعرها بفوضى ويلتف حول جسدها معطف ممزق لا يقي بردا ولا يمنح دفئا. إلى جانبها ثلاثة أطفال يتكورون على بعضهم البعض بحثا عن ذرة دفء بينما تحمل هي لافتة بسيطة كتب عليها بخط مرتجف
أرجو المساعدة أي شيء يحدث فرقا.
لكن الكلمات لم تكن ما ضرب قلبه
ولا حتى وضعها البائس
بل وجهها.
المرأة التي على الرصيف
هي كلارا.
كلارا التي أحبها في
كلارا التي ظن يوما أنه سيبني معها بيتا وأن المستقبل سيتسع لهما معا.
كلارا التي تركها حين جاءه عرض لا يرفض للانتقال إلى سان فرانسيسكو.
كلارا التي وعدها بأن يبقى على تواصل ثم ابتلعته الدنيا فلم يفعل.
والآن
ها هي أمامه.
على الرصيف.
تستجدي البقاء.
لكن الصدمة لم تتوقف عند ذلك فالأطفال الثلاثة الذين يلتصقون بها لهم عينيه ذاتهما.
العسليتان الخفيفتان الحافتان بالذهول والبراءة.
ولهم أنفه المحدد والغمازتان اللتان تظهران حين يتحركان.
لحظة واحدة كانت كافية ليشعر أن الأرض تميد تحته وأن الهواء تجمد حوله.
لثوان ظن أن بصره يخدعه وأن الشبه مجرد قسوة من الصدف.
لكن شيئا ما في داخلهشيئا يشبه الحقيقة القاسية التي لا تحتاج إلى دليلأخبره بأن ما يراه ليس صدفة بل ماض عاد ليواجهه بلا رحمة.
اقترب بخطوات مترددة متسائلا إن كانت ستتعرف إليه بعد كل تلك السنين. رفعت رأسها نحوه فاتسعت عيناها بلمعة دهشة سرعان ما انطفأت ثم خفضتهما كمن يحمل جبلا فوق قلبه.
قال بصوت خرج من صدره متكسرا
كلارا
ترددت كمن يبحث عن قوة ضائعة ثم همست دون أن تيمم نظرها نحوه
إيثان مر وقت طويل.
كانت الكلمات بسيطة لكنها سقطت داخل صدره كصخرة.
تدافعت الأسئلة في عقله
ماذا حدث
كيف وصلت إلى هنا
ومن هؤلاء الأطفال
ولماذا لم تبحث عنه
لكنه لم يجد القوة ليسأل.
فقد سمع حينها الطفل الأصغر يسعل سعالا حادا
تحرك إيثان فورا بلا وعي ولا حساب. نزع معطفه الفاخر ولف به جسد الطفل المرتجف ثم قال بنبرة لم يعرفها من نفسه من قبلنبرة تحمل قرارا لا تراجع فيه
تعالي معي الآن.
هزت كلارا رأسها ارتجاف خفيف يجتاح شفتيها
إيثان لا أستطيع.
قاطعها بحدة وحنان متشابكين
بل تستطيعين. لن تظلوا هنا دقيقة واحدة.
أشار لها وللأطفال أن يتبعوه وكأن طرق المدينة كلها قد انفتحت فجأة لأجلهم. ساروا خلفه بصمت حتى دخلوا مقهى دافئ تسطع أنواره بنعومة. وما إن جلسوا حتى أحاط بهم الدفء كحضن نسيه الجميع.
راح الأطفال يلتهمون الفطائر وكأنهم لم يعرفوا الطعام منذ أيام.
أما كلارا فكانت يدها ترتجف وهي تشرب الماء وعيناها تبحثان عن الكلمات ثم تهربان منها.
وإيثان لم يقدر على رفع نظره عنها خشية أن يرى ما يفوق طاقته.
قال بصوت يكاد يخفت
ما الذي حل بك يا كلارا
أطبقت جفنيها وكأنها تستحضر سنوات ثقيلة ثم قالت
بعدما رحلت اكتشفت أنني حامل. حاولت الاتصال بك لكن رقمك تغير. لم أعرف أين أجدك. كنت خائفة جدا.
هوت الكلمات على صدره كضربة قاضية.
نظر إلى الأطفال من جديد
أطفاله.
أطفاله الذين لم يعرف بوجودهم.
تابعت بصوت منطفئ
عملت في وظيفتين وثلاث أحيانا. كنت أستطيع بالكاد أن أطعمهم. ثم جاءت الجائحة خسرت عمليين في أسبوع واحد وأخرجنا المالك من منزلنا. ومنذ ذلك الحين ونحن
لم تستطع أن تكمل.
اغرورقت عيناها بالدموع كأنها تفرغ سبع سنوات دفعة واحدة.
أما هو
فشعر أن صمته صار خطيئة تطبق على صدره.
سبع سنوات من الرفاهية
ومحاولات صعود نحو قمة المال
بينما المرأة التي أحبها تكافح لإطعام أطفاله الثلاثة.
قال بصوت مكسور ينهار معه شيء داخله
كلارا لو كنت أعلم لو وصلتني أي رسالة لكنت فعلت المستحيل.
هزت رأسها بهدوء يشبه الاستسلام
لم يعد هذا مهما يا إيثان. المهم أن الأطفال بأمان الليلة.
لكن بالنسبة له
كان الأمر أهم من كل ما تخيلت.
منذ تلك الليلة التي جمعته بكلارا وأطفاله على غير موعد تغير إيثان والاس كما لو أن أحدهم قد أعاد ترتيب روحه حجرا بعد حجر. لم يعد الرجل الذي يقيس أيامه بعدد الاجتماعات الناجحة ولا الذي يشعر بأن أرقام حسابه البنكي هي مرآته الحقيقية. لقد حدث شيء داخلي شيء يشبه الانبعاث من رماد قديم لم يلتفت إليه من قبل.
بعد أن أنهوا طعامهم في المقهى اصطحبهم إيثان إلى فندق قريب واستأجر لهم جناحا كاملا ثم قضى ليلته يتنقل بين المكالمات وكأن العالم كله أصبح فجأة صغيرا بما يكفي ليمسكه بقبضته. اتصل بأطباء وبمديري شركات وبرجال عقار وبأصدقاء لم يتحدث معهم منذ سنوات. أراد أن يستعيد سبع سنوات في ليلة واحدة وإن كان ذلك مستحيلا.
في الصباح بدا الأطفال أكثر هدوءا وقد ارتسمت على وجوههم لمحة أمان كانت