حين رآها تتسوّل مع ثلاثة أطفال يشبهونه… انهار عالمه في لحظة
ما زال مطبوعا على ملامحها. أصر إيثان على مرافقتها إلى مقابلة عمل رتبها لها مع إحدى الشركات المتعاونة معه. وهناك استقبلوها باحترام لم تعهده منذ زمن. وفي الأسبوع نفسه سجل الأطفال في مدرسة محلية ومنحهم إيثان كل اللوازم التي يحتاجون إليها.
مرت الأيام وتحولت اللقاءات الأسبوعية بينه وبين الأطفال إلى عادة لا يتخلى عنها. كانوا يهرولون نحوه في كل مرة كأنهم ينتظرون قدومه من العوالم نفسها التي تحكى عنها في القصص. كان يأخذهم إلى الحدائق والمتاحف ودور السينما ويترك ضحكاتهم ترتد على جدران شقته الفاخرة فتمنحها حياة لم يشعر بها من قبل.
ومع مرور الوقت بدأت ملامح الأب تظهر عليه
التفاتته
نبرة صوته
طريقته في احتضانهم
كل شيء فيه صار يشبه رجلا تركته القدر سنوات على الهامش ثم قررت أن تمنحه دوره الحقيقي فجأة.
كانت كلارا تراقب كل ذلك بصمت تغشاه رهبة كأنها لا تزال غير قادرة على التصديق بأن الأشياء يمكن أن تتبدل بهذه السرعة. ورغم امتننانها كان هناك شيء خفي يربكها شيء يشبه الخوف من أن يكون ما يحدث مجرد هدنة قصيرة قبل أن تستأنف الحياة قسوتها.
وفي مساء هادئ بينما جلسوا جميعا على سطح المبنى يشاهدون غروب الشمس يذوب ألوانه
لم يكن عليك فعل كل هذا يا إيثان ربما قدمت أكثر مما يجب.
ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها شفافة
لم أقدم شيئا أنا فقط بدأت أعوض ما فات.
خفضت بصرها والدموع تعكس لون الغروب في عينيها.
الأطفال يحبونك كثيرا.
اقترب منها وأمسك يدها برفق كما لو أنها قطعة من ذكرى يخشى ضياعها
وأنا أحبكم جميعا بما يفوق كل شيء.
ظلا جالسين طويلا صامتين لكن صمتهما كان مفعما بالحديث.
كانت تلك اللحظة أشبه برقعة صغيرة من الزمن توقفت فيها كل الأحكام وتراجعت كل الأسئلة وبقي الشعور وحده يتحدث.
مرت الشهور
ونمت العلاقة بينهم كما تنمو شجرة في تربة جريحة.
كان الأطفال يكبرون أمام عينيه يضحكون أكثر ويمتلئون ثقة لم يرها في بدايات لقائهم. وكلارا بدت أقوى أكثر توازنا كأنها استعادت جزءا من ذاتها التي فقدتها تحت ثقل الحياة.
ثم جاء اليوم الذي لم ينسه أحد.
كان إيثان يقف أمام مبنى حديث يتلألأ بزجاج أزرق يعكس أضواء شيكاغو كأنها نجمات تسقط على الواجهة. فوق المدخل علقت لافتة كبيرة كتب عليها بحروف واضحة
ملجأ كلارا مركز دعم الأمهات العازبات.
لم يكن مجرد مشروع خيري.
ولا مبادرة موسمية.
بل كان اعتذارا طويلا اعتذارا لا يقال
وقف إيثان ببذلته الرمادية الهادئة لكن شيئا في وجهه كان مختلفا ملامح أكثر نضجا وعينان أقل عجرفة ورجل يبدو كأنه أعاد ترتيب توازنه من جديد. إلى جانبه كانت تقف كلارا ترتدي فستانا أزرق بسيطا تشبك يدها بيده وكأنهما يعلنان أمام العالم صلحا لا يحتاج إلى توقيع.
كان الحاضرون بالعشرات وربما المئات صحفيون متطوعون موظفون وأصدقاء قدموا ليشهدوا لحظة قص الشريط. أما الأطفال الثلاثةإيما وويليام ونواهفكانوا يركضون بين الكاميرات بضحكات صافية غير مدركين أنهم في يوم من الأيام كانوا يرتجفون على الرصيف نفسه الذي يقف أمامه والدهم الآن.
تقدم أحد الصحفيين وسأل بصوت مسموع
سيد والاس ما الدافع وراء بناء هذا المركز ولماذا الآن
تنفس إيثان بعمق ثم قال بنبرة امتزج فيها الندم باليقين
أحيانا تمنحك الحياة فرصة ثانية. فرصة لترى من كنت ومن يجب أن تكون. وأنا لن أفرط في هذه الفرصة ما حييت.
دوى التصفيق بينما تولى الأطفال شرف قص الشريط الأحمر بمقص صغير مزين بشرائط ملونة فضحك الحاضرون والتقطت الكاميرات اللحظة من كل زاوية.
نظرت كلارا إلى إيثان نظرة صامتة مليئة بما لا يمكن للغة أن تشرحه.
كانت ترى
بل رجلا عاد ليبني معها شيئا لا يشبه الماضي في شيء.
وبينما كان الحفل يقترب من نهايته اقتربت كلارا منه وهمست
هل تتخيل أننا كنا قبل عام واحد فقط نرتجف بردا على رصيف
نظر إليها طويلا.
ثم قال بصوت يعرف طريقه إلى القلب
أتذكر كل شيء وأتمنى أن يكون هذا المبنى بداية حياة جديدة لنا لا مجرد شاهد على الندم.
ساد صمت قصير بينهما صمت يشبه المصالحة يشبه الصفح يشبه الاعتراف بأن قلبين قد يضيعان طويلا ثم يجتمعان حين يحين الوقت.
وفي صباح ديسمبر ذاته بعد عام بالضبط من لقائهما الأول وقف إيثان أمام نافذة المركز الزجاجية يراقب المدينة التي كانت يوما مسرحا لوحدته. وفي داخله ابتسامة لم يعرفها إلا قرب تلك العائلة الصغيرة.
لقد أمضى سنوات يطارد الثروة يراكم الأرقام يشتري العقارات والسيارات والسفرات الفاخرة. لكنه اكتشف أخيرا أن شيئا واحدا فقط جعله أغنى
ثلاثة أطفال يركضون نحوه كل مساء
وامرأة كانت مكسورة ثم وقفت من جديد.
ذلك هو كنزه الحقيقي.
ومع ذلك ظل سؤال واحد يطفو في داخله سؤال لا يملك هو نفسه شجاعته
لو كنت مكان كلارا
هل كنت لتسامحي رجلا تركك في أصعب لحظاتك
أم كنت ستديرين ظهرك
السؤال الآن لك
ولك وحدك شجاعة الإجابة.