الصبيّ المشرد يصرخ: «لا تأكل هذا!»… والملياردير يتجمّد مكانه حين يعرف السبب
يفصل بينه وبين المرأة التي كانت يوما أقرب إليه من ظله.
ثم تحرك.
كانت خطواته ثابتة لكنها تحمل تحت هدوئها زلزالا من الأسئلة التي لن تجاب أبدا. فتح الباب فاستقبله هواء الفجر البارد كأن العالم كله أراد أن يغسل ما بقي على جلده من أثر الخيانة.
داخل الصالة كانت فيكتوريا تجلس في الزاوية ترتدي معطفا أسود ونظارة داكنة. حقيبتها الصغيرة إلى جوارها وتذكرة إلكترونية مفتوحة على شاشة هاتفها. لكنها رغم محاولاتها للتماسك كانت ترتجف. فقد شعرت بالعيون التي تلاحقها العيون التي تعرف جيدا أنها لا تخطئ هدفا.
توقفت يدها عن الحركة عندما رأت ظلا طويلا يسقط أمامها.
رفعت رأسها.
تجمد الدم في عروقها.
كان بنجامين واقفا أمامها يشبه تمثالا من رخام بارد لا ينطق سوى بالصمت. صمت كان أقسى من أي سؤال.
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم قالت بنبرة يائسة
بنجامين دعني أشرح
رفع كفه مقاطعا إياها.
لم يكن يريد شرحا. كان يريد الحقيقة فقط الحقيقة المجردة التي لم يعد يثق أن أحدا قادر على قولها.
جلس أمامها بهدوء وضع مرفقيه على
هل كنت لتشعري بالندم
سألها بصوت منخفض.
لم يكن في السؤال غضب. كان شيئا أبرد أشد صمتا وأقرب إلى حد السكين.
شهقت فيكتوريا ثم قالت وكأنها لم تعد تجد طريقا للهروب
الأمور خرجت عن السيطرة كان علي أن أؤمن مستقبلي أنت تغيرت يا بنجامين صرت بعيدا بلا قلب
قاطعها مجددا لكن هذه المرة كانت عيناه تحملان تلك اللمعة التي يراها الإنسان قبل الانكسار الأخير
وهل هذا يبرر أن تقتلي رجلا شاركك حياته
لم تستطع الرد.
ارتعشت يدها وانزلقت النظارة عن وجهها.
ظهرت عيناها واضحتين خاويتين يشبهان امرأة غرقت في طمع أكبر من قدرتها على احتماله.
قالت بصوت أشبه بالاحتضار
كنت أظن أنني أستطيع أن أبدأ من جديد أن أنتزع ما أستحقه كان المال دائما يقف بيننا.
هنا شعر بنجامين للمرة الأولى بأن ما خسره لم يكن زوجة.
بل امرأة لم يعرفها من البداية.
وقف ببطء.
اقترب منه رجال الأمن.
أومأ لهم.
وعندما مروا بجانبها ليقتادوها قالت بصوت مكسور
لو كنت تهتم
توقف للحظة ثم استدار نحوها ونظر إليها نظرة لم تحمل كراهية بل شفقة مؤلمة
لو كنت تحبينني قليلا لما حاولت قتلي.
ثم غادر.
حين خرج من الصالة إلى الهواء الطلق شعر كأنه عبر بابا من حياة مظلمة إلى حياة أخرى لا يعرف شكلها بعد. هطل الضوء فوق ملامحه كأن الشمس كانت تنتظر هذه اللحظة بالذات لتظهر.
كان كل شيء حوله يتغير.
أصوات الطائرات.
نسمات الهواء.
حتى دقات قلبه.
وللمرة الأولى منذ أيام طويلة لم يكن يشعر بأنه يهرب.
بل يشعر بأنه يعود يعود إلى نفسه.
في المساء وبينما كان المطر يداعب نوافذ مكتبه جلس بنجامين أمام المدفأة يطالع ملفا صغيرا بلون أصفر.
ملف الطفل إيفان وأمه.
كان يشعر أن هذا الطفل لم ينقذ حياته فحسب بل أنقذ ما تبقى من روحه.
قرر أن يزورهما في الصباح.
جاء الفجر هادئا.
ذهب إلى البيت البسيط الذي رممه العمال بأمر منه خلال يومين فقط.
كان المكان الآن نظيفا جميلا ونافذته تطل على ساحة خضراء.
طرق الباب.
فتحه إيفان وما إن رآه حتى ركض نحوه بابتسامة
لقد عدت! قال الصغير وهو يقفز فرحا.
ابتسم بنجامين تلك الابتسامة التي تعود إلى الحياة بعد موت طويل
نعم وعدت لأن لدي شيئا مهما أقوله لك.
جلسا في الحديقة الصغيرة.
كانت الأم تراقبهما من الباب وعيناها تلمعان بامتنان لا يحتاج إلى كلمات.
أخرج بنجامين ظرفا وقدمه للطفل.
فتحه إيفان وقرأ بصوت متلعثم
منحة دراسية كاملة حتى الجامعة ورعاية كاملة لأمي.
رفع رأسه باندهاش كبير ثم قال
لكن لماذا أنا مجرد طفل.
ربت بنجامين على شعره برفق وقال
أنت لست مجرد طفل أنت سبب أنني ما زلت على قيد الحياة.
وأريدك أن تكبر وأنت تعرف أن الخير لا يضيع وأن الشجاعة تكافأ دائما.
تساقطت دمعة خفيفة على خد الصغير.
لم يمسحها.
تركها تنزل كما تنزل دمعة في كتاب جميل يتشكل.
عندما عاد بنجامين إلى سيارته وقف للحظة ينظر إلى السماء.
كانت الغيوم تتفرق الشمس تخرج والهواء يحمل رائحة بداية جديدة.
حياة انتهت.
وأخرى بدأت.
ثم همس بصوت بالكاد يسمع
ربما لم يكن النجاة من السم هو المعجزة
بل العثور على ما يستحق أن يعيش الإنسان من أجله.
ومضى.
النهاية.