حين أشار فتى مشرّد إلى صورة زفاف وهمس هذه أمي توقّف عالم الملياردير جيمس كالدويل بالكامل
القضية التي ظنها انتهت منذ عقد كامل لم تكن قد بدأت بعد.
جلس آلن ببطء على كرسيه الجلدي القديم رفع نظارته وحدق في ملامح لوكا للحظات طويلة.
إنه يشبهها أكثر مما ظننت.
قالها بصوت أعمق من عمره.
فتح الملف أمامه أوراق صفراء تقارير مختومة شهادات متناقضة كلها تشير إلى شيء واحد إميلي لم تختف لأنها أرادت ذلك بل لأنها كانت تهرب من أحدهم.
التفت إلى جيمس بحدة
قبل أن أخبرك بشيء أريد أن أعرف هل أنت مستعد لسماع كل الحقيقة مهما كانت
أجاب جيمس بنبرة حاسمة فيها من الألم أكثر مما فيها من القوة
لقد دفعت ثمن الجهل عشر سنوات لن أدفع يوما آخر.
أغلق آلن الملف ثم أخرجه من صندوق معدني صغير تحت الطاولة كان صندوقا لم يفتح منذ عقد يحفظه مثل تابوت يخبئ داخله أسرارا خطيرة.
سحب منه صورة قديمة مهترئة ووضعها أمام جيمس.
الصورة كانت لإميلي لكنها لم تكن وحدها.
كانت تقف بجانب رجل غريب طويل بوجه قاس وعينين تحملان ظلا لا يطمئن أحدا.
قال آلن بهدوء
هذا الرجل هو سبب كل شيء.
شعر جيمس بأن الدنيا تدور من حوله.
أمسك الصورة بقوة يتأمل ملامح
سأل بصوت متوتر
من يكون
تنفس آلن بعمق كأنه يسترجع سنوات من التحقيقات التي انتهت بلا إجابات.
اسمه الحقيقي مجهول. لكن العالم السفلي يعرفه بلقب الغراب. أحد أخطر المهربين والمجرمين الذين مروا على هذه المدينة. قبل سنوات قليلة من اختفاء إميلي كانت تعمل ممرضة في مؤسسة طبية تطوعية حيث وصل إليها طفل كان الغراب يطارده ليستخدمه في عملية تهريب.
تجمد جيمس
طفل أي طفل
أجابه آلن ببطء ينطق الكلمات كمن يسقط حجارة في بئر مظلم
لوكا.
لم يتنفس جيمس لثوان.
نظر إلى لوكا الذي كان يجلس على الحافة يضم يديه من القلق ثم عاد بنظره إلى المحقق.
إميلي أنقذت الصبي من يد ذلك الرجل
هز آلن رأسه
بالضبط. لم تكن الأم الحقيقية معروفة. الغراب أراد الطفل لأمر لا نزال نجهله. وإميلي خبأته وغيرت اسمه ثم اختفت. كانت تخاف أن يصل إليها. وربما كان يطاردكما معا.
سقط الصمت كستارة ثقيلة.
كان جيمس يشعر أن قلبه ينتزع من صدره.
إميلي لم تهرب منه بل كانت تحمي طفلا لم يكن يعرفه.
وبينما كان يبحث عنها كانت هي تحارب
لكن السؤال الذي مزق صدره
لماذا لم تتصل بي لماذا لم تخبرني
أجاب آلن بنبرة صادقة
لأنها لم ترد أن تضعك في الخطر أنت أو سمعتك أو شركتك. الغراب لا يترك شيئا حيا إن شعر بأن أحدا يعترض طريقه.
جلس جيمس مطرقا يمرر يده على وجهه كأن الكلمات طعنت فيه واحدة تلو الأخرى.
لكن شيئا آخر بدأ يتضح
إن كانت إميلي اختفت لتحمي لوكا فهذا يعني شيئا مرعبا
الغراب لا يزال يبحث.
نهض آلن من مكانه فتح خزانة حديدية وأخرج منها جهاز تتبع دقيقا.
لقد ظهرت تحركات جديدة لهذا الرجل في المدينة خلال الأسبوعين الماضيين. وهذا يعني أن وجود لوكا هنا قد يكون خطأ قاتلا إن لم نتحرك بسرعة.
التفت إلى الصبي وسأله
لوكا هل تتذكر مكانا كنت تعيش فيه أي شيء أي صوت رائحة جدار
ضل الصبي للحظة ثم قال
كانت هناك نوافذ كبيرة وصوت قطار يمر كل ليلة وأمي كانت تقول لي ألا أفتح الباب مهما حدث.
أضاءت عين آلن
هذا يساعد. هناك منطقة صناعية قرب الخط القديم للسكك الحديدية فيها مستودع كان تابعا للغراب قبل سنوات.
التفت لجيمس
قد تكون إميلي هناك أو
قفز جيمس من مكانه
اذهب بي إليها الآن.
لم يضيعوا دقيقة واحدة.
قادهم آلن بسيارته القديمة نحو المنطقة الصناعية المهجورة.
السماء غائمة والريح باردة والمدخل إلى المستودع معتم كأنه فم نفق يقود إلى الجحيم.
عند الباب الحديدي لمح جيمس شيئا جعله يشعر أن قلبه توقف.
شق صغير محفور على الجدار العلامة نفسها التي كانت إميلي تستخدمها سرا لتدله على مكان آمن.
قال بصوت مرتجف
إنها هنا أو كانت هنا منذ وقت قريب.
دفعوا الباب ودخلوا.
كانت رائحة الرطوبة ثقيلة والغرفة مظلمة إلا من خطوط ضوء تتسرب من السقف المكسور.
همس لوكا
كنت أنام هناك.
وأشار إلى زاوية صغيرة فيها بطانية رقيقة وعلبة حليب فارغة.
شعر جيمس كأن أحدهم يطعن قلبه.
وفجأة سمعوا صوت خطوة خلفهم.
استدار آلن بسرعة يرفع سلاحه.
من الظلام خرج رجل طويل بملامح حادة وعينين باردتين كالموت.
ابتسم ابتسامة خبيثة وقال
أخيرا وصلتم.
عرفه جيمس دون أن يحتاج إلى سؤال.
هذا هو الغراب.
رفع الرجل سكينا طويلة صوته متوحش
أعيدوا لي الطفل وإلا لن يخرج أحد من هنا حيا.
هنا أدرك
وأن كل شيء سيتقرر الآن.