امرأة صفعت حماتها ظنًّا منها أنها انتصرت لكنها خسرت كل شيء
كوب الشاي الدافئ أمام مارغريت بيدين مرتعشتين تنتظر نظرة لا تعرف هل تستحقها أم لا. وكانت مارغريت بحكمة السنوات وبقلب أم لا يعرف القسوة ترد عليها بابتسامة هادئة لا تزيد عن حاجتها ولا تنقص.
لم تكن مارغريت امرأة تحمل الضغائن لكن أثر الصفعة ظل طويلا يسكن في أعماقها لا على خدها. ومع ذلك فقد كانت تؤمن بأن البشر يصقلون بالألم كما تصقل المعادن بالنار فإما أن ينكسروا أو يلمعوا.
ولينا بطريقة بدا فيها الصمت أفصح من كل حديث كانت تختار أن تلمع.
كانت الحديقة أول مكان يلمس فيه التغيير أثره. تلك الرقعة الصغيرة من الأرض التي أهملها الجميع في شهور التوتر عادت تتنفس من جديد. كانت لينا تمضي ساعات طويلة تزيل الأعشاب اليابسة تنظف الأحواض وتزرع وردا جديدا كأنها تزرع حياة أخرى لها. كانت تتعامل مع كل شتلة كما لو أنها نبتة اعتذار صغيرة ترجى منها المغفرة حين تنبت.
مارغريت التي لم تعد متوجسة كما كانت كانت
وأندرو الذي عاد إلى عمله أخيرا كان يقف أحيانا عند النافذة في طريق خروجه ويراقبهما وهما تعملان في الحديقة. كان يرى تباعد المسافة بينهما يقل أكثر فأكثر يرى أنفاسهما تتناغم وسط صمت مريح لم يعرفوه من قبل. وكلما رآهما تقتربان بهذه الطريقة شعر أن شقوق قلبه تلتئم مثلما تلتئم الأرض تحت الأمطار الأولى.
وفي أحد الصباحات المشرقة بينما كانت الشمس ترسم ألوان الذهب على أطراف الأشجار جلس الثلاثة في الحديقة للمرة الأولى منذ الانفجار الكبير. كانت النسائم لطيفة تحمل معها رائحة التراب الرطب ورائحة الروزماري الذي زرعته مارغريت يوما في لحظة حنين لزوجها الراحل.
جاءت لينا بكوبين من الشاي وفنجان ثالث لمارغريت. هذه المرة كانت خطواتها أقل ارتباكا وإن كان قلبها ما يزال يخفق خشية من نظرة عتاب قد تظهر
لم يكن مجرد ندم بل كان اعترافا صامتا بأنها اختبرت نفسها وأدركت كم كانت هشة وكم كان خوفها يقودها إلى الطرق الخطأ.
قالت مارغريت بصوت هادئ يشبه رفيف جناح طائر عجوز
يا لينا أكثر ما يؤلم في الجرح ليس الألم بل التخلي. ولقد كنت على وشك أن تخسري نفسك قبل أي أحد آخر.
انحنى رأس لينا كمن تلقى درسا لم يتعلمه من قبل وكسرت دمعة خفيفة حافة عينها. لم تكن دمعة خجل فحسب بل دمعة ارتياح إذ أن أحدا أخيرا رأى ما خلف غضبها ولم ير فقط الغضب ذاته.
دخل أندرو من باب الحديقة في تلك اللحظة وقد سمع آخر كلمات والدته. جلس بجانبها ووضع يده فوق يدها برفق وقال
ولن نعيد ما مضى لكننا لن نتجاهله أيضا.
كان صوته ثابتا لكنه يحمل ارتعاشة صغيرة من الصدق الذي يخاف أن يفهم خطأ.
التفت إلى لينا وأضاف
إن عدت إلى
رفعت لينا رأسها ببطء وفي عينيها ضوء لم يره أندرو منذ زواجهما. لم يكن ضوء الحب فقط بل ضوء الإنسان الذي عرف أين أخطأ وأين يبدأ من جديد.
هزت رأسها وقالت بصوت ثابت على غير عادتها
أنا مستعدة ليس لأجلك فقط بل لأجلي أنا أيضا.
وتتابعت الأيام بعدها مثل صفحات كتاب كانت صفحاته الأولى ممزقة لكن صفحاته اللاحقة تكتب بحذر ودفء. لم تعد لينا تخشى وجود مارغريت ولم تعد مارغريت تحاول الاختفاء حتى لا تثير توتر زوجة ابنها. كان البيت يمتلئ بأحاديث قصيرة وبضحكات خجولة لكنها حقيقية.
وفي إحدى الأمسيات حين أضاءت مصابيح المنزل دفئا ناعما أدركت مارغريت فجأة أن البيت عاد بيتا ليس لأن الجدران وقفت كما كانت بل لأن القلوب داخله تعلمت كيف تنحني دون أن تنكسر وكيف تتقارب دون أن تتصادم.
كان السلام قد عاد أخيرا لا كضيف مؤقت