عامل البناء الذي صنع دكتورًا وليس بيتًا
مني شيئا واليوم فقط حصد تقديرا لم يسع إليه يوما بل زرعه بصمت في قلبي منذ طفولتي.
واليوم بعد كل تلك السنوات التي مرت بين أكواخ القش في نوفا إيسيخا وقاعات الجامعات في مانيلا أصبحت محاضرا جامعيا أشرح لطلابي نظريات لم أكن أعرف أسماءها يوما وأكتب أبحاثا لا يفهمها سوى قلة. صارت لي أسرة صغيرة ومنزل دافئ في حي هادئ حياة لم أكن لأحلم بها لولا رجل واحد ظل يكدح في الظل حتى أشرق طريقي.
أما تاتاي بن ذلك الرجل الذي عجنته الشمس وصقلته المعاول وشكلته سنوات الغبار والإسمنت فلم يعد يقف على السقالات. توقف عن الصعود والهبوط عن حمل الحديد والطوب وصار يعيش إيقاعا أبطأ بكثير من الماضي.
صار يزرع الخضروات خلف البيت طماطم باذنجان بصل أخضر وفلفل حار يفاخر به كلما زارهم أحد الجيران. ويربي دجاجات قليلة في قفص خشبي صنعه بيديه. يقرأ الصحيفة كل صباح ويضع نظارته الرخيصة على طرف أنفه محاولا متابعة أخبار البلاد رغم أن نصف
وأحيانا يتصل بي بالفيديو ووجهه يلمع تحت ضوء الشمس الأفقي ليفتخر بحديقة الخضار خلف المنزل ويقلب الكاميرا ليريني كيف كبرت شتلات الكوسا وكيف بدأت الطماطم تزهر ثم يطلب مني أن أمر يوما لأخذ بعض البيض لطفلي قائلا بإصرار
البيض أفضل من السوق هذا من دجاج تاتاي للتوتو الصغير.
أسأله أحيانا حين يلين قلبي على غير العادة
ألا يساور تاتاي الندم لأنه أمضى حياته كلها يعمل ويتعب فقط من أجل ابنه ألا يشعر أنه ضحى بأحلامه
فيضحك تلك الضحكة الخشنة التي تشبه احتكاك الحجارة ببعضها ويهز رأسه بقناعة عميقة لا تتزحزح
لا ندم. تاتاي عمل طوال حياته نعم. حمل الطوب وصعد السقالات وتأذت قدماه ويداه وظهره. لكن أعظم ما بناه تاتاي لم يكن جدارا ولا بيتا أعظم ما صنعه
في تلك اللحظة لا أستطيع الرد. تتجمد الكلمات في حلقي. أكتفي بالنظر إلى يديه عبر شاشة الهاتف تلك اليدين اللتين تشققتا واحترقتا بالشمس وامتلأتا بالخدوش القديمة يدان كانتا تبدوان قاسيتين لكنهما كانتا ألين من كل ما مر على حياتي.
يدان حملتا حقيبتي الصغيرة يوم أوصلني للجامعة يدان صنعتا لي طريقا لم يكن يعرف هو نفسه كيف يكمل أول خطوة فيه يدان حملتا مستقبلي دون أن يطلب مقابلا.
أنا اليوم رجل حاصل على الدكتوراه أحمل لقبا أكاديميا طويلا أدرس في جامعة عريقة ويقدرني الناس لأنني دكتور. لكن الحقيقة التي لا يعرفها أحد والتي يسكن صداها في قلبي وحده هي أن تاتاي بن ذلك الرجل البسيط الذي قضى عمره تحت الشمس يحمل الحجارة ويرفع الحديد ويعود كل مساء بظهر منحن ويدين متشققتين كان أعظم من أي لقب وأرفع من أي شهادة.
لم يكن يرتدي بدلة ولا يملك مكتبا ولا يجلس خلف طاولة فاخرة ومع ذلك كان هو الرجل الوحيد
لقد ظن العالم أنه عامل بناء فقط.
لكنني أعرف الحقيقة كاملة
هو لم يبن لي بيتا تسكنه الجدران بل بنى إنسانا تسكنه القيم.
لم يخطط مستقبلا على الورق بل شكل مستقبلي بيديه القاسيتين.
لم يعلمني كيف أكون غنيا بل علمني كيف أكون صالحا.
ولم يمنحني ثروة بل منحني كل ما يملكه رجل فقير جهده ووقته وعمره وأكبر قلب رأيته في حياتي.
اليوم أحمل لقب دكتور وأقف أمام طلابي بثقة وأوقع أوراقا تحمل اسمي بجانب لقب طويل. لكن في داخلي يقين لا يتغير أن الرجل الذي يقف خلف كل نجاح حققته ليس أستاذا في الجامعة ولا مديرا في مؤسسة ولا رجلا مشهورا
إنه تاتاي بن.
عامل البناء الذي لم يبن جدرانا فقط بل بنى روحا.
ذلك الرجل الذي دون أن يدري رفعني أعلى بكثير مما وصلت إليه شهاداتي.
وإن كان العالم يحتفي بي اليوم فأنا أعرف تماما أن البطولة