لم يتوقف طفل الرجل الذي يخشاه الجميع عن البكاء في الطائرة، إلى أن قامت أمٌّ وحيدة بفعلٍ لا يُصدَّق
الحمام.
دخلت.
وما إن أغلق الباب خلفها حتى انفلتت أنفاسها من صدرها.
كانت يداها ترتجفان تماما كما ترتجف روحها.
هذا جنون همست لنفسها.
لكن شيئا آخر شيئا أقدم من العقل كان يقودها
غريزة لا تموت.
غريزة الأم حتى لو لم يعد للطفلة صدر .
اقتربت من المرآة.
نظرت إلى انعكاسها
إلى وجه نامت الدموع على وجنتيه ستة أشهر
إلى امرأة فقدت ابنتها وفقدت جزءا من صوتها مع فقدها.
ومع ذلك كانت هنا.
وكانت مستعدة لتمد حبل نجاة لطفل ليس طفلها.
رغم كل شيء الرحمة لا تموت.
مدت يدها إلى أزرار قميصها.
فتحتها حركة آلية راسخة كأن جسدها يعرف الطريق حتى لو ضاعت هي.
كان الصغير يبكي بعطش يائس وحين لامس خده جلدها هدأ فجأة
حتى قبل أن يرضع عرف الرائحة عرف الدفء.
ثم ارتفعت أنفاسه.
بحث بفمه ثم أمسك طفل جائع الحياة.
شهقت سارة بصمت.
دموعها نزلت دون إذن.
أمسكت رأسه بيد واحدة وغطت فمه بالثانية.
وقالت بصوت مكسور يرتجف لكنه مليء بالحب
لا بأس لا بأس يا صغيري. أنت بأمان
أنت بأمان الآن.
كانت كلماتها أشبه بتميمة تهدئ العالم
وكانت ترضعه وقد التف جسده الصغير حولها بثقة كاملة كأن هذا هو أول شيء حقيقي دافئ عاشه منذ ولادته. وكلما تنفس بعمق كانت خصلة من شعرها تلامس جبينه برفق وكأنها تعيد ترتيب روحه المرهقة.
في الخارج
كان دومينيك واقفا بلا حراك كتلة صلبة من القوة والصمت.
لكن الصمت هذه المرة لم يكن صمت بطشه
بل صمت رجل يحبس دموعا لم يعرف كيف يذرفها.
أدار وجهه قليلا نحو الباب المغلق وأصغى.
الصمت كان مطلقا.
لا صراخ
لا اختناق
لا نحيب متقطع
فقط هدوء دافئ
هدوء لم يسمعه حول ابنه منذ أن جاء إلى الدنيا.
رفع رأسه نحو السقف طرف عينيه يلمع كأن ضوءا غريبا انعكس فيهما.
كان يشعر للمرة الأولى منذ شهرين أن الكون توقف عن معاقبته ولو للحظة واحدة.
لأول مرة
كان ابنه يتنفس بهدوء.
لأول مرة
لم يكن يبكي حتى الاحتراق.
وحين فتح باب الحمام ببطء
بدت سارة واقفة في العتبة تحمل الرضيع كأنها تحمل قطعة من قلبها هي نفسها.
كان الطفل نائما نوما عميقا مستقرا مطمئنا.
فم صغير نصف مفتوح
وخد وردي دافئ يستريح على
صدقا لو كان العالم كله سينهار في تلك اللحظة
لما شعر الطفل بشيء.
شهق دومينيك وكأنه تذكر كيف يكون التنفس.
اقترب خطوة خطوة واحدة فقط
لكن تلك الخطوة كانت كافية ليتزلزل شيء في داخله.
قال بصوت منخفض متعب ممتن بطريقة غامضة
هل هل هو بخير
جاء صوت سارة هادئا ثابتا يحمل أثر الأمومة التي لم تمح منها رغم الفقد
إنه رائع. لقد رضع جيدا وبعمق كأنه كان ينتظر هذه اللحظة.
ثم حاولت أن تمد إليه الطفل لكنه لم يتحرك فورا.
كان ينظر إلى وجهها
إلى تلك التعابير المختلطة ألم حنان خسارة وعطف لا يشبه ما رآه من قبل في أي عين.
وفجأة
مد يده لا بخشونة رجل يملك العالم
بل بلطف رجل يخاف أن يكسر شيئا شفافا.
أمسك معصمها.
لم يقبض بقوة
لكن لمساته كانت تحمل شيئا من الرجاء شيئا من الشكر شيئا من الانبهار.
قال بصوت عميق هادئ
اسمك.
قالت بخفوت
سارة.
تلعثم الهواء بينهما لحظة.
ثم نطق اسمها مرة أخرى
لكن بطريقة مختلفة
وكأنه عهد يقطعه أمام نفسه
سارة
كان الاسم يخرج من شفتيه كأنه مفتاح لباب جديد في حياته.
أنا مدين
أجابت بسرعة كأنها تخشى أن تتحول تلك الكلمات إلى شيء يلزمها بما لا تريد
لا أرجوك لست مدينا لي بشيء.
لكن دومينيك اقترب خطوة أخرى.
لم يقترب كرجل يفرض نفسه
بل كرجل لم يعد يعرف كيف يعيش امتنانا بهذا الحجم.
وقال بصوت ثقيل يحمل تاريخا كاملا من الهيمنة والوجع
في عالمي الديون لا تبقى ديونا.
هي تتحول إلى مصائر.
ارتجفت سارة ليس خوفا
بل لأن شيئا ما في كلماته أصابها بعمق مربك.
كانت هناك طريقة قال بها مصائر
جعلتها تفهم أنه لا يتحدث عن معاملة
بل عن بداية طريق
بداية خيط يربط بينهما دون أن يدروا كيف.
مد يده في جيبه وسحب بطاقة سوداء أنيقة.
ناولها إياها لكن أصابعه لامست أصابعها
وخلال ثانية قصيرة
اشتعلت شرارة ناعمة بينهما
لا تشبه شرارة خوف أو رهبة
بل شرارة إنسان وجد آخر يفهم كسره.
قالت بخجل خافت محاولة أن تبدو متماسكة
مجرد عشاء.
ظهر على شفتيه شيء لم يره فيه أتباعه يوما
ابتسامة.
ابتسامة بطيئة خطيرة لكنها دافئة بطريقة غير متوقعة.
وقال بصوت منخفض كأنه يعد بشيء لا يعرف حتى هو شكله بعد
في
كان في صوته وعد لا يشبه وعود الرجال
بل وعد رجل توقف قلبه للحظة
ثم عاد للنبض من جديد.