لم يتوقف طفل الرجل الذي يخشاه الجميع عن البكاء في الطائرة
مكانه.
كانت سارة تجلس إلى جواره الرضيع بمهارة امرأة تعرف سر الأطفال ولغتهم الأقدم من الكلمات.
وعلى صدرها كان الطفل يهدأ شيئا فشيئا كأن ضربات قلبها تخبره بقصة لم يعرفها لكنه كان يبحث عنها منذ ولادته.
خفضت رأسها قليلا لتسد الزجاجة برفق إلى فم الصغير بعد أن شعر بالدفء فقبلها أخيرا وصوته الذي كان موجة متلاطمة منذ دقائق صار الآن مجرد أنين خافت.
أنين كأنه يعتذر للمقاعد والركاب والسماء نفسها.
كان دومينيك يراقب المشهد وعيناه لا ترمشان.
حاجباه القويان ارتخيا وصدره الذي كان ينهض وينخفض بنفس مضطرب عاد يستقيم ببطء.
قال بصوت منخفض بالكاد خرج
كيف كيف فعلت ذلك
لم تنظر إليه سارة مباشرة كانت تخشى أن يرى في عينيها الحزن القديم الذي لا تريد كشفه.
قالت بنبرة ناعمة
لم أفعل شيئا الأطفال يعرفون الطريق حين يجدون صدرا مطمئنا. الأمر ليس مهارة بل قلب.
صمت للحظة ربما أطول مما يجب.
قال بعدها
قلبك أقوى مما يبدو.
ابتلعت كلماتها ثم هزت رأسها بخفة
لو كان قويا لما انكسر منذ ستة أشهر.
رفعت عينيها نحوه كأنها
أضافت
كانت ابنتي تشبهه قليلا. ولدت قبله بشهرين فقط.
تغير وجه دومينيك وانخفضت عيناه مرة أخرى.
للمرة الأولى بدت قسوته مجرد قناع.
قناع رجل لا يسمح للعالم برؤية روحه الممزقة.
قال ببطء
كيف تحملت ذلك
ابتسمت ابتسامة موجوعة
لم أتحمله. أنا فقط تعلمت أن أتنفس رغم الألم.
كان الطفل قد نام أخيرا رأسه الصغير مستقر على كتفها ويداه متدليتان كأغصان أرهقها المطر.
ومع كل زفير كانت سارة تشعر أن شيئا في صدرها ينفتح كأنها تستعيد جزءا من نفسها التي ظنت أنها دفنتها مع ليلي.
مد دومينيك يده بلا وعي ساحبا الغطاء فوق جسد الصغير لكنه توقف قبل أن يمس يدي سارة.
كانت لحظة قصيرة لكنها حملت ارتباكا لم يعرفه من قبل.
قال
ابني لم يهدأ هكذا منذ ولادته. لا أعرف كيف أشكرك.
أجابت دون أن تنظر إليه
لا تشكرني. أنا فقط فهمت الألم الذي يعيش داخلك.
كان هناك شيء يتغير في ملامحه شيء يشبه رجلا يقف للمرة الأولى أمام حقيقة لم يواجهها قط
أنه مهما بلغت قوته لا يكفي أن يكون قويا أمام طفله.
لم
كان رجلا يخاف على طفل.
دومينيك الذي تراجف الرجال حين يسمعون اسمه قال بصوت يكاد يكون همسا
كنت هناك حين ماتت زوجتي. رأيتها تختفي بين يدي ولم أستطع أن أفعل شيئا. والآن كلما بكى ابني أشعر بأنني أفشل مرة أخرى.
رفعت سارة رأسها نحوه.
ولأول مرة نظرت في عينيه مباشرة.
كانت عيناه سوداوان عميقتان فيهما بحر من الذنب بحر ظل يخوض فيه وحده ستين يوما دون ضوء.
قالت برفق يعادل قوة اعترافه
الأمومة والبطولة شيئان مختلفان. والأبوة ليست معركة تربحها بل علاقة تشاركها.
أخذ نفسا عميقا كأن كلامها سقط في مكان لم يلمسه أحد من قبل.
بعد دقائق من الصمت المطمئن قالت سارة فجأة وهي تنظر للنافذة
هل تعلم ما المشكلة في الطائرات
رفع حاجبه باستغراب.
قالت
تجبرك على مواجهة نفسك. لا هروب ولا ملهيات.
ضحكة قصيرة أقرب إلى الزفير خرجت منه
وهل أنا أهرب
نظرت إلى الطفل النائم ثم إليه وأجابت
أنت لا تهرب أنت تخشى الالتقاء بظلك.
ابتسم على استحياء كأنها لامست الحقيقة التي كان يدور حولها
وقبل أن يجيب توقفت الطائرة عن الاهتزاز وأعلنت المضيفة عبر مكبر الصوت أنهم سيبدأون الهبوط بعد عشرين دقيقة.
بدأ الركاب يتحركون ويجمعون أشياءهم بينما ظل دومينيك وسارة جالسين في عالم صغير لا يشبه مقصورة الدرجة الأولى بل يشبه غرفة اعتراف هادئة.
قال دومينيك بصوت متردد
حين نهبط هل يمكنني أن أعرف اسمك
ضحكت بخفوت وقالت
سارة كولينز.
ثم سألته
وأنت
أجاب دون تفاخر كأن اسمه لم يعد سيفا يشهره
دومينيك رومان.
ارتفع حاجباها قليلا فقد سمعت الاسم من قبل لكنها لم تقل شيئا.
قال بعد لحظة صمت طويلة
سارة أريد أن أراك مرة أخرى.
لم تكن سارة ممن ينجذبون إلى المظاهر أو السلطة لكن الكلام خرج منه بطريقة أقرب لاعتراف رجل يتعلم المشي من جديد.
ترددت لحظة ثم قالت
لست بحاجة إلى ممرضة وابنك سيكبر ويتعلم. ما تحتاجه حقا ليس أنا.
اقترب قليلا بعينين تصرحان بما لم ينطقه
أحتاج شخصا لا يخاف أن يراني كما أنا الآن.
سكتت.
ثم نظرت إلى الطفل النائم وقالت ببطء
حين نهبط سنرى.
كانت تلك الجملة الصغيرة عهدا لا وعدا
وكانت
بداية نفس جديد لأولهم وثانيهم.