ابنتك ما تزال حيّة صبيّ مشرّد يقتحم الجنازة
«ابنتك ما تزال حيّة» — صبيّ مشرّد يقتحم الجنازة ويكشف سرًّا صادمًا للملياردير…
كانت الكنيسة الكبرى في بيفرلي هيلز مغطّاة بصمتٍ ثقيل لا يُشبه صمت العزاء المعتاد، بل صمتًا أشبه بالفراغ الذي يبتلع الأصوات. بدا المكان كأن الزمن توقّف عند حدوده، ورفض الاستمرار قبل أن يستوعب الفاجعة. المصابيح العالية تنثر ضوءًا خافتًا فوق المقاعد الخشبية، فينعكس على أعمدة الرخام اللامعة انعكاسًا باهتًا، يذكّر بتنهيدة آخر الليل قبل بزوغ الفجر.
على جانبي الممر الممتد نحو الهيكل، انتصبت مزهريات ضخمة مكدّسة بالزنابق البيضاء. كانت رائحتها تتكثّف في الهواء، رائحة نقية حدّ الوجع، تجعل من الحداد شيئًا ملموسًا، كأن الحزن أصبح هواءً يُستنشق. وفي وسط المكان، حيث ينتهي الممر ويبدأ الصمت الأبدي، وُضع تابوت خشبي فخم، غُطّي بلمعة داكنة تشبه لون السماء في ليلة عاصفة. وعلى سطحه برزت لوحة نحاسية منقوشة بعناية:
«بمحبة لا تُنسى… إميلي هارتمان.»
كان الحضور قد ملأوا المقاعد حتى آخر صف، وجلس كلٌّ منهم في ثبات جامد، يخشون أن يتحركوا فينكسر هذا الصمت الذي يغطي الجروح. بعضهم كان ينظر إلى الأرض، وآخرون إلى الزهور، وكأنهم يحاولون الهروب من مواجهة الموت وجهاً لوجه. غير أن الصف الأمامي كان
هناك جلس جوناثان هارتمان، رجل الأعمال الذي اعتاد أن يُقال عنه إنه لا ينكسر، وإنه قادر على تحويل الخسارة إلى مكسب بلمسة من يده. لكنّ كل تلك القوة كانت مجرد قشرة الآن. وجهه بدا شاحبًا، كتفاه منحنيتان وإن حاول أن يخفي الأمر، وجفناه ينتفضان بين الحين والآخر، كأن النوم هجره منذ زمن بعيد.
لم يرفّ له جفن وهو يحدّق في التابوت، لكن شيئًا ما في داخله كان ينهار بصمت.
قبل أسبوعين، جاءته المكالمة التي لن ينساها ما دام حيًا. حادث مروّع، سيارة تحترق على أحد الطرق المهجورة بين جبال نيفادا. شهود قالوا إن الكرة النارية التي اشتعلت لم تُبقِ شيئًا. رجال الشرطة أكدوا أن هوية الضحية لم تُعرف إلا من خلال سوار ذهبي يحمل اسم إميلي… السوار الذي أهداها إياه في عيد ميلادها الأخير.
سألهم إن كان الجثمان يصلح للرؤية.
نظروا للأسفل.
وفهم ما لم يريدوا قوله.
لم يزد. لم يطلب.
اعتقد أن رؤية تلك النهاية ستحيله إلى رماد.
الآن، وقد انتهى الكاهن من نصف الصلاة الأخيرة، ساد الكنيسة هدوء مطبق كأنها في انتظار شيء لم يُحدَّد بعد. رفع الكاهن يده للمرة الأخيرة، يستعد لطلب الرحمة لروح الفقيدة، حين فجّر صوتٌ مفاجئ كل ذلك السكون.
باب الكنيسة الخشبي الضخم ارتطم
التفت الجميع، في لحظة واحدة، كأن قوة خفية جذبت أعناقهم نحو الصوت.
على عتبة الباب وقف صبيّ أسمر البشرة، حافي القدمين، كتفاه نحيلتان ولسانه يلهث كمن قطع صحراء كاملة ركضًا. كانت سترته الرثّة تتدلّى من جسده، ممزقة عند الكتف، ووجهه مبللًا بالعرق والغبار. عيناه كانتا واسعتين إلى حدّ يكشف أن خلفهما قصة خطيرة لا يستطيع حملها وحده.
صرخ أحد الحرّاس بصوت مرتفع:
«أيها الفتى! قف مكانك!»
لكن الصبي لم يسمع. أو ربما سمع ولم يُبالِ.
اندفع إلى الداخل كما لو أن شيئًا يطارده، شيئًا مرعبًا أو أكبر من قدرته على الاحتمال. كان يهرول بين المقاعد، يصطدم بأطراف الجالسين، بينما ارتفعت همسات الاستغراب والخوف.
اقترب من التابوت، مد يديه المرتجفتين، ووضعهما فوق الخشب المصقول كما لو أنّه يحاول إيقاظ شيء يُدفن حيًا. ثم صرخ بصوت انشقّ عن قلبه:
«ابنتك — لم — تمت! هي حيّة!»
لم تكن الصرخة مجرد كلام.
كانت قنبلة.
انفجر المكان معها.
تعالى صراخ مكتوم هنا، ونشيج مفاجئ هناك، ووقف البعض في ذهول، بينما حاول الحراس الاقتراب من الفتى. لكن صوت الصبي اخترق كل شيء.
جوناثان، في الصف الأمامي، لم يتحرك.
لم يفتح فمه.
لكنه شعر بأن العالم انقسم نصفين:
أكمل الفتى، وصوته يرتجّ كأن الكلمات تحرق حلقه:
«لقد رأيتها… قبل ثلاثة أيام فقط. بعينيّ هاتين، يا سيد هارتمان. كانت حيّة… وكانت خائفة… وكانت تبحث عنك.»
توقفت الهمسات فجأة، كأن أحدهم أغلق باب الهواء.
حتى الكاهن تجمّد في مكانه، يحدّق في الصبي بعينين متسعتين.
في قلب جوناثان، دقّ شيء كان قد مات.
لم يكن أملًا… بل رعشة. رعشة تشبه اللحظة التي يسمع فيها شخصٌ خبرًا يتعارض مع قوانين العالم التي آمن بها.
اقترب الصبي أكثر، صوته إلى همس يكاد ينهار:
«ليس أمامك وقت… إن لم تتحرك الآن… لن تراها مجددًا. هناك من يريدها أن تختفي… ولن يتوقف.»
ارتجف قلب الرجل، لأول مرة منذ موت ابنته المزعوم، وكان الأمر مرعبًا أكثر من الفقد نفسه.
في تلك اللحظة، شعر الجميع بأن الهواء امتلأ بشيء جديد… شيء لا يُشبه الحزن ولا الوداع.
بدا كأن الظلال في الكنيسة تتحرك، وكأن الحقيقة، التي كانت مطموسة تحت رماد الفاجعة، تبدأ شيئًا فشيئًا في الظهور.
الجنازة لم تعد جنازة.
الصفحات التي أُغلقت بالقوة انفتحت.
والموت نفسه صار موضع شك.
وفي اللحظة التي مدّ فيها جوناثان يده ليقف، أدركت القاعة كلّها أن النهاية لم تبدأ بعد… وأن ما ينتظرهم سيكون أعنف بكثير مما توقّع أحد.. التالي
https://pub153.
