طردوه من البنك لأنه فقير لكن رقم واحد على الشاشة قلب المؤسسة رأسًا على عقب

لمحة نيوز

التعليم المهنة التي كرست إلينور حياتها لها. كانت فكرة بسيطة لكنها حملت وزن امرأة أمضت أربعين عاما تجمع دولارا فوق دولار وتقدم دروسا خصوصية حتى وقت متأخر من الليل لتصنع مستقبلا لفتى واحد دون أن تنتظر مقابلا.
وفي جلسة الافتتاح الأولى للجنة الاستشارية جلس كبار المديرين حول الطاولة يتناقشون حول سياسات المنح وخطط التمويل. لكن بين تلك المقاعد الوثيرة كان هناك كرسي صغير وضع بناء على طلب لورنس نفسه. كان كرسيا متواضعا لا يشبه المكان وضع خصيصا لفتى في العاشرة لم يتجاوز مرحلة المدرسة المتوسطة بعد لكنه أكبر قيمة من كل من في القاعة.
جلس ويسلي على الكرسي الصغير ظهره مستقيم وأطراف قدميه لا تكاد تلامس الأرض. عيناه تتنقلان بين المتحدثين بإعجاب وخجل مصغيا لكلمات أكبر من عمره بكثير. لم يكن يشعر بالفخر لأنه يجلس بين كبار المسؤولين بل لأن اسم جدته محفور على الصندوق الذي يتقرر مصير منحته فوق طاولة اجتماعهم. شعر أن وجوده ليس تكريما له بل وفاء لها.
ومضت السنوات بعدها كأنها تمضي مسرعة لا تعرف التمهل.
ثماني سنوات
كاملة مرت وكأن الزمن لم يمش بل ركض لاهثا إلى الأمام.
وفي صباح صاف من أيام سبتمبر كان حرم جامعة جورجتاون يلمع تحت ضوء شمس ذهبية تتسلل بين الأشجار العتيقة. كانت الأرصفة رطبة بعد ليلة ممطرة والهواء مشبعا برائحة بداية جديدة. وسط هذا المشهد ظهر شاب يحمل ملامح وردية طفولية لم تختف تماما رغم السنوات.
كان ذلك الشاب هو ويسلي بروكس وقد صار في الثامنة عشرة. كان يمسك بحقيبته الجامعية بيد ويحمل بالصندوق الخشبي الصغير الذي اصطحبه معه من بيت عمه باليد الأخرى. وضع الصندوق على مكتبه في الغرفة الجديدة وفتحه بحذر كمن يفتح بوابة زمنية.
في الداخل كانت هناك غاليتان من أعز ما يملك
نسخة مغلفة بعناية من رسالة إلينور
والحذاء القديم المتشقق الذي اشتري بدولارين.
رفعه ومسح عليه بيده كما لو كان قطعة أثرية نادرة. كانت الخيوط مهترئة والجلد فقد لونه منذ سنوات لكن قيمة ذلك الحذاء بالنسبة إليه لم تتغير قط. كان ذلك الحذاء شاهدا على كل بداية وكل خوف وكل خطوة أولى في عالم لم يكن رحيما دائما.
دخل عليه زميله في الغرفة شاب مرح
ذو ابتسامة واسعة. لم يكد يرى الحذاء حتى ضحك قائلا
لماذا جلبت هذا معك يبدو وكأنه على وشك الانهيار!
التفت إليه ويسلي مبتسما تلك الابتسامة التي لا يعرفها إلا من اختبر الفقد والنهوض. كانت ابتسامة هادئة ناضجة على نحو لا يشبه عمره.
قال
هذا أثمن ما أملك.
انتقل الفضول إلى وجه زميله وتلاشى الضحك. فأكمل ويسلي بصوت ممتلئ بحنين عميق
هذا من جدتي. كانت تعتذر في كل مرة نخرج فيها لأنه كان من متجر مستعمل لكنها منحتني ما هو أكبر من كل ما تمنحني إياه الهدايا الجديدة. منحتني حياتي.
ثم رفع الرسالة المغلفة
هذه الكلمات هي الشيء الذي أعادني إلى نفسي كلما ضعفت. كل خطوة أخطوها اليوم هي امتداد لخطواتها.
قال زميله بصوت منخفض بعد لحظة صمت
إنها قصة جميلة حقا.
ابتسم ويسلي تلك الابتسامة الحزينة الدافئة التي تشبه بوابة ضوء
نعم كانت جميلة. وكانت تستحق أن يخلد اسمها.
جلس على سريره تناول هاتفه فوجد رسالة من عمه لورنس
غدا أول يوم لك. كانت والدتك ستكون فخورة بك. احمل كرامتك وساعد الآخرين على حمل كرامتهم.
قرأ الرسالة مرتين
ثم أغلق الهاتف كما تغلق وصية داخل القلب.
وقف وربط حذاءه الجديد ثم مد يده ولمس الحذاء القديم لمسة أشبه بوعد. وضعه على الرف وخرج إلى الممر الطويل حيث يمتد المستقبل أمامه بلا حدود.
والاحترام كما كتبت إلينور في رسالتها ليس مكافأة ولا امتيازا ولا شيئا يمنح لمن يملك مالا أو سلطة.
الاحترام هو الحد الأدنى الذي ندين به لأنفسنا وللبشر من حولنا.
لم يكن ويسلي بحاجة إلى عم نافذ ولا إلى حساب فيه نصف مليون دولار ولا إلى لقب كي يعامل بكرامة. فالكرامة ليست امتيازا يحصل عليه البعض بل حق يولد به الجميع.
وإن مررت يوما في ردهة ما ورأيت شخصا يعامل على أنه أقل بسبب مظهره أو فقره أو صمته فقف لحظة واسأل نفسك
هل ستكون ممن يضحكون
أم ممن يلتقطون المشهد بهواتفهم
أم ممن يشيحون بوجوههم كي لا يتورطوا
أم ستكون ذلك الصوت الوحيد حين يصمت الجميع
فالكرامة لا تمنح.
بل تحمل.
ومن يحمل كرامته يساعد الآخرين على حمل كرامتهم.
وهكذا فقط يتغير العالم.
ليس بالخطب الكبيرة ولا بالمشاريع الضخمة
بل بلحظة إنسانية واحدة
ولفتة شجاعة واحدة
مرة
بعد مرة
حتى يصبح الخير عادة لا استثناء.

تم نسخ الرابط