امراه تحمل رتبه عقيد في الجيش راحت تزور قبر بنتها

لمحة نيوز

بصمت طويل ثم التفتت حين سمعت صوت خطوات خفيفة. كانت ملك تجري نحوها بحماس بينما سامح يمشي بخجل واضح خلفها.
ابتسمت نهى تلك الابتسامة التي افتقدتها لسنين.
قالت ملك وهي تلهث
إحنا جينا يا طنط نهى!
ضحكت نهى قليلا
تعالي يا ملك كنت مستنياكي.
وقف سامح مترددا
لو وجودنا دا بيدايق حضرتك نقوم نمشي
قاطعت نهى كلماته بنبرة حاسمة
ولا بيدايقني ولا هتمشوا. المكان ده مش بتاعي لوحدي.
لم يكن سامح معتادا على هذا النوع من الترحيب لكنه شعر بشيء يدفئه من الداخل.
أصبحت الزيارة الأسبوعية طقسا ثابتا.
تجلس نهى تحكي لملك عن بطولات أمها وتحكي ملك بدورها عن أحلامها الصغيرة.
وكان سامح يظل صامتا أغلب الوقت لكنه كان يشعر أن صدره صار يتنفس لأول مرة منذ سنوات.
وذات يوم بينما كانوا يقفون عند القبر بعد أن قرأت ملك الدعاء التفتت نهى إلى سامح وقالت فجأة
إنت بتشتغل ورديتين
أجاب وهو يمسح
جبينه
أيوه لازم. المصاريف كتير.
قالت بهدوء لم يعتده
ليه ماقدمتش في الإداري أنت خبرتك كبيرة ولو حد رشحك ممكن تتنقل لوظيفة أحسن.
تردد الرجل ثم قال
مين بس هيبص في طلبي يا فندم ده أنا عامل.
قالت نهى
أنا هبص. وهخلي كل حد يبص.
نظر إليها بدهشة صامتة بينما ملك تمسك يدها كأنها تعرف أن شيئا مهما يحدث.
مرت أسابيع وتحولت علاقتهم من لقاء عند قبر إلى حديث يومي.
كانت نهى تمر على ملك بالهدية الصغيرة التي تحبها وتعطي سامح نصائح عن ملف الترقية وتشعر أن البيت الذي يخلو من سلمى لم يعد خاليا كما كان.
وذات مساء في نهاية زيارة طويلة قالت نهى بصوت خافت وهي تضع وردا جديدا
ملك إنت بتحبي تيجي هنا
ردت الصغيرة
أيوه لإنه المكان اللي سلمى كانت فيه والمكان اللي إنتي فيه.
نظرت نهى إلى سامح.
وتقابلا بنظرة صامتة لم تكن حبا معلنا لكنها كانت بداية الاعتراف.
وفي صباح يوم مشمس بعد
أشهر من المعرفة والزيارات والترقيات التي تحققت وقفت نهى عند بوابة المقابر كعادتها. لكن هذه المرة لم تكن تنتظر سامح وملك كانت تنتظرهما لسبب آخر.
جاء سامح يحمل بيده الورود وملك تجري أمامه.
وقفت نهى وقالت بهدوء
عايزاكم تيجوا معايا مكان.
سأل سامح بارتباك
نروح فين يا فندم
ابتسمت وقالت
بيت جديد احنا.
لم يفهم في البداية لكنه رأى في عينيها وضوحا لا يقبل الشك.
وبصوت مرتجف قال
حضرتك تقصدي إيه
اقتربت منه خطوة خطوة واحدة فقط لكنها كانت كافية لإعادة رسم العالم كله
قصدي إن ملك تستحق بيت وأنا أستحق بيت وإنت تستحق حياة أحسن.
سلمى مش هترجع لكن ممكن نكمل اللي كانت بتحلم بيه.
سامح لو ارتحت للفكرة أنا عايزة نكون عيلة.
اتسعت عينا ملك
يعني هتبقي ماما نهى
انحنت نهى واحتضنتها بقوة لم تحتضن بها أحدا منذ رحيل سلمى
أيوه يا حبيبتي لو إنتي عايزة.
رفعت الصغيرة ذراعيها حول
رقبتها
عايزة.
أما سامح فوقف عاجزا عن الكلام.
لم يحمل في حياته كلها فرحة كتلك.
كانت عيناه تمتلئان بدموع حاول جاهدا إخفاءها.
قال بصوت يحمل رجولته ودموعه معا
لو دي رغبتك يبقى ده شرف ليا.
أمسكت نهى بيديه لأول مرة.
إحنا مش بنعوض حد إحنا بنبتدي من جديد.
وفي مساء ذلك اليوم وقف الثلاثة أمام قبر سلمى.
ملك تضع وردا أبيض.
سامح يقف باحترام صامت.
ونهى تلمس الحجر بعاطفة جديدة مختلفة تماما.
قالت نهى بصوت خافت
سلمي أنا بوعدك إن النور اللي كنت بتديه للناس هيفضل عايش.
وإن البيت اللي انكسر يوم رحيلك هيتبني من تاني.
أمسكت ملك يدها وقالت
وإحنا عيلة دلوقتي صح يا طنط نهى
ردت نهى لأول مرة بدون لقب
قوليلي ماما نهى.
ضحكت الصغيرة ورمت نفسها في حضنها.
والريح مرت بينهم لكنها هذه المرة لم تحمل حزنا بل حملت بركة خفية كأن سلمى نفسها تبتسم.
وهكذا
انتهت القصة ببيت جديد وعائلة
جديدة وقلوب امتلأت من جديد بما تمناه القدر لهم
حياة تبدأ من الألم وتزدهر بالحب.

تم نسخ الرابط