قال مديرُ بنكٍ لصبيٍّ ينتعل حذاءً ثمنه دولاران اجلس في الزاوية وانتظر
يعتقد أنه يستحق أن يخدم. لم يكن يشتكي بل كان يحاول أن يفسر ألما لم يعرف كيف يصفه.
استمع لورنس وتغير وجهه ببطء أولا تلين ملامحه حزنا ثم اشتد بصره وكأن شيئا في داخله اشتعل.
مال نحوه وقال برفق
هيا سندخل معا. لست مضطرا لفعل هذا وحدك.
وقبل أن يخطوا خطواتهم الأولى داخل البنك توقفت سيارة أخرى سيارة دفع رباعي فاخرة نزلت منها امرأة صارمة الملامح تمشي بثقة امرأة اعتادت أن تعطي الأوامر لا أن تتلقاها.
كانت باتريشيا إدواردز المديرة الإقليمية لشبكة البنك.
وصلت لأنها تلقت مكالمة واحدة من لورنس بروكس.
وكفى.
عند دخولهم تغير الجو في الردهة كما لو أن بابا خفيا انفتح على صمت جديد. ارتبكت ابتسامة برادلي ثم اختفت نهائيا عندما رأى الرجل الذي يسير بجانب باتريشيا.
قال بصوت متكسر
السيدة إدواردز لم نكن نتوقع
قاطعته بهدوء حاد
هذا هو السيد لورنس بروكس. وهذا ابن أخيه ويسلي. ونحتاج إلى مراجعة كيفية معاملته هنا اليوم.
ساد سكون فجائي. توقف الزبائن
أشارت باتريشيا إلى أحد الصرافين
من فضلك اعرض حساب ويسلي بروكس.
ظهر الرقم على الشاشة.
اقترب الجميع.
الرصيد 487263 دولارا.
نصف مليون تقريبا.
مال جمعته امرأة قضت عمرها تعمل بجهد يفوق قوتها وتقتطع من راتب متواضع ما أرادت أن تهديه لحفيدها الوحيد.
لم يعرف ويسلي ماذا يقول. اكتفى بالهمس
جدتي ادخرت كل هذا من أجلي
وضع لورنس يده على كتفه كمن يطمئن قلبا صغيرا يحاول الاتساع لأمر لا يفهمه.
قال
لقد ارتدت المعطف نفسه خمسة عشر شتاء حتى تصنع لك مستقبلا.
حدقت باتريشيا في برادلي وقالت بصوت يشبه حد الزجاج
هذا طفل جاء ليتفقد رصيده. حساب موثق قانوني. لماذا ترك وحيدا ساعة كاملة
لم يجد جوابا إلا الارتباك.
قال
اتبعت الإجراءات.
رد لورنس دون أن يرفع صوته
لا توجد إجراءات تسمح بإهانة إنسان. أنت لم تر حسابه رأيت حذاءه.
ولم يجد برادلي كلمة واحدة بعد ذلك.
أجريت مراجعة داخلية صارمة.
وأعيد تدريب الطاقم كاملا.
وتم وضع قاعدة جديدة
خدمة أي زبون خلال خمسة عشر دقيقة بلا أي استثناءات.
لكن لورنس لم ير أن ذلك كاف.
ولا باتريشيا.
بعد أيام اتصلت به قائلة
أريد أن أكرم إرث والدتك. كيف يجب أن يكون ذلك
بعد أسبوع ولد
صندوق إلينور بروكس للمنح الدراسية منح كاملة للطلاب الفقراء الذين يريدون دراسة التعليم تكريما لمعلمة أحبت مهنتها حتى آخر يوم في حياتها.
وفي أول اجتماعات اللجنة الاستشارية للصندوق جلس كبار المسؤولين حول الطاولة وبجانبهم كرسي صغير لا ينسجم مع فخامة المكان وضع خصيصا لويسلي.
كان يجلس بظهر مشدود يحاول أن يبدو مناسبا للمشهد رغم أن قدميه لم تلمسا الأرض.
لم يكن وجوده هناك وجاهة بل امتدادا لاسم جدته.
ومرت السنوات سريعا.
وفي صباح ذهبي داخل جامعة جورجتاون وقف ويسلي الشاب في الثامنة عشرة أمام خزانته الجديدة يضع الحذاء القديم الذي تآكل جلده كما
دخل زميله في السكن وضحك
ما هذا سيذوب الحذاء قبل أن ترتديه!
ابتسم ويسلي ابتسامة ناضجة أكبر من عمره
هذا أغلى ما أملك.
ثم حكى.
عن جدته وعن رسائلها وعن سنوات التضحيات التي لم يفهمها إلا بعد أن فقدها.
فانطفأت السخرية من وجه زميله وتحول الضحك إلى احترام.
في تلك الليلة قرأ رسالة من لورنس
غدا يومك الأول. كانت جدتك لتكون فخورة بك.
احمل كرامتك وساعد الآخرين على حمل كرامتهم.
أغلق الهاتف ببطء.
لمس الحذاء القديم برفق لمسة تحمل اعتذارا وامتنانا ووعدا.
ثم خرج إلى الممر حيث يمتد المستقبل بلا نهاية.
الكرامة ليست امتيازا.
ولا هبة تمنح لأصحاب المال.
إنها حق يبدأ من نظرة ويتجسد في معاملة وينمو في قلب طفل لم يطلب سوى الاحترام.
وإذا وجدت نفسك يوما في ردهة ما ورأيت شخصا يعامل على أنه أقل
فاسأل نفسك
هل ستصمت
أم ستكون الصوت الذي ينهض حين يسقط الجميع
لأن العالم لا يتغير بضجة كبرى
بل بفعل صغير يشبه اليد التي
وبموقف واحد يستعيد فيه إنسان كرامته.
وهكذا
تبدأ الحكاية وتستمر.