"يا سيّد… هذا الصبيّ يسكن في بيتنا." والذي روته بعد ذلك كان كافيًا لِيُسقِط المليونير على ركبتيه.
يا سيد هذا الصبي يسكن في بيتنا. والذي روته بعد ذلك كان كافيا ليسقط المليونير على ركبتيه.
كان هرنان من أولئك الرجال الذين يبدون لمن يراهم من بعيد كأنهم لا يهزمون. تتصدر صوره أغلفة مجلات المال والأعمال وتلقي عليه القاعات تحية الوقوف كلما اعتلى منصة مؤتمر دولي وتتعالى حوله التصفيقات كلما كشف عن مشروع جديد يثير دهشة السوق. تظهره عدسات الكاميرات مبتسما أمام سيارات فارهة وفلل محاطة بحدائق معتنى بها بدقة تشبه دقة صانع ساعات سويسري.
كان العالم يراه تجسيدا للنجاح بدلة مشغولة على المقاس ساعة نادرة ورحلات درجة أولى لا تنتهي. واجهة متلألئة مصقولة بعناية تلمع على الشاشات.
لكن وراء ذلك البريق كان باب غرفة لا يدخلها أحد ولو فتح لرأى الناس حقيقة مختلفة تماما. هناك خلف ذلك الصمت كان هرنان يجبر على مواجهة الفراغ الوحيد الذي لم يستطع أن يشتري له بديلا مهما بلغت ثروته.
ذلك الفراغ كان يحمل اسما واحدا لورينزو.
ابنه الوحيد. رفيق لعبه وضحكه.
الطفل الذي اختفى منذ عام تاركا خلفه بيتا يتردد فيه صدى الغياب أكثر مما يتردد فيه صدى الحياة.
لم يترك وراءه رسالة ولا اتصالا ولا أي أثر.
في إحدى الأمسيات كان يلعب قرب الأرجوحة الحمراء في الحديقة ثم اختفى.
هكذا ببساطة كأن العالم ابتلعه دون أن يترك ظلا.
حرك هرنان السماء والأرض في البداية. استأجر محققين من ثلاث دول ودفع مكافآت خيالية وظهر على شاشات الأخبار يناشد الناس المساعدة. لكن الوقت مر ومعه انطفأت الأضواء وملت الصحافة من القصة وانسحب الفضول العام.
ومع كل صمت جديد كانت الشرطة تكرر الجملة نفسها
نأسف لا توجد خيوط جديدة.
لكن هرنان لم يتوقف يوما.
في ذلك الصباح مثل كثير من صباحاته في السنة الأخيرة ارتدى المعطف نفسه الذي كان يوما يفوح بعطر فاخر وصار الآن يحمل رائحة ليال بيضاء من السهر والبكاء المكتوم. حمل أكوام الملصقات في المقعد الخلفي لسيارته ملصقات لوجه ابنه الضاحك بعينيه الواسعتين المملوءتين بالحياة. أسفل الصورة تلك العبارة التي تشق القلب كلما رآها
مفقود أي معلومة يرجى الاتصال على
قاد سيارته مبتعدا عن الأحياء الراقية التي عرفها كما يعرف المرء حدود راحته.
هذه المرة اختار طرقا أخرى طرقا لم يخطها من قبل.
أحياء ضيقة جدران متشققة بيوت قائمة على الإيمان والخجل وقوة الاحتمال.
هناك لم يعرفه أحد.
لم ينادوه بملك الاستثمارات.
لم يهتموا بسياراته ولا مجلاته ولا إنجازاته.
كان مجرد رجل يحمل صورة طفل يبحث عنه بعينين محمرتين وقلب يتآكل يوما بعد يوم.
توقف عند عمود صدئ ألصق عليه ملصقا جديدا بيد مرتجفة. التصقت أطراف الورق بأصابعه.
لا بد أن أحدا قد رآك يا بني لا بد أن أحدا رآك.
هبت ريح حارة رفعت الغبار والذكريات معه.
العالم يدور كعادته غير آبه بوجعه.
كان على وشك التحرك نحو عمود آخر حين سمع صوتا طفوليا رقيقا خلفه يقول
يا سيدي ذاك الطفل يسكن في بيتي.
تجمد.
كأن روحه خرجت منه ثم عادت بضربة واحدة.
استدار ببطء شديد كأنه يخشى أن يتسبب أي تحرك في انهيار الحلم. رأى فتاة صغيرة حافية القدمين ترتدي فستانا باليا وعينين كبيرتين تلمعان بثقة بريئة.
ماذا قلت تمتم بصوت لا يكاد يخرج.
أشارت بخنصرها إلى الملصق.
ذلك الولد يسكن معي ومع أمي.
ارتخت ركبتاه حتى شعر أنه قد يسقط.
هل يعقل
هل هذا حقيقي
أم أن عقله المنهك بدأ يصنع أوهاما
انحنى لمستواها وسألها وهو يكافح ارتجاف صوته
هل أنت متأكدة هل هذا هو الطفل الذي رأيته
تأملت الصورة ثم أومأت بثقة هادئة
نعم. هو. لكنه لا يتكلم كثيرا. يقضي وقته في الرسم ويبكي ليلا. أحيانا ينادي على أحد.
على من
على أبيه.
تشققت روحه عند تلك الكلمة.
اختنق قلبه بذكريات لم يجرؤ على استحضارها منذ شهور ضحكة لورينزو رسوماته صوته الخائف بعد كابوس خطواته الصغيرة على أرضية المنزل.
كان عليه أن يغلق عينيه حتى لا ينهار
سألها بصوت يكاد ينكسر
هل تسكنين بعيدا
لا البيت قريب هناك عند الزاوية.
للحظة فكر أن يهرب.
ماذا لو لم يكن ابنه
ماذا لو كانت قسوة جديدة من قسوة القدر
لكن عيني الطفلة كانتا تحملان صدقا لا يشبه الكذب.
هل يمكنك أن تأخذيني إليه إن كنت مخطئا سأرحل.
ترددت الفتاة عضت شفتها ثم أومأت ببطء
حسنا اتبعني.
كانت اسمها أماليا.
تمشي أمامه بخفة لا تشبه طفلة عاشقة للفقر بل عاشقة للحياة رغم قسوتها. تتجنب الحصى والبرك تعرف الطريق كما يعرف الجرح مكانه في القلب.
أما هرنان فكان يتبعها وقلبه يخفق كطبول حرب داخل صدره.
قالت دون أن تلتفت
هو أحيانا يتكلم عن أرجوحة حمراء وعن سيارة سوداء تصدر صوتا عاليا.
توقف هرنان كأن قدميه انغرستا في الأرض.
الأرجوحة الحمراء كانت أرجوحة بيته.
والسيارة السوداء كانت سيارته.
تنفس بصعوبة كأن الهواء صار أثقل من أن يدخل صدره.
إنه هو لا بد أنه هو.
حتى وصلت إلى منزل صغير جدرانه متشققة نوافذه بلون أزرق متقشر.
قالت بهدوء
نحن نسكن هنا.
نظر هرنان إلى الباب كأنه بوابة القدر نفسه إما خلاص وإما هاوية جديدة.
فتحت أماليا الباب فصدر عنه أنين معدني حاد.
داخل الغرفة كانت امرأة تنتظرهما اسمها كلوديا.
ما إن رأت هرنان حتى تلبك وجهها وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة
قال هرنان بلطف محاولا