وصل الملياردير دون إعلان مُسبق، ورأى الخادمة مع أطفاله الثلاثة وما رآه أوقفه متجمّدًا عند العتبة
وصل الملياردير دون إعلان مسبق ورأى الخادمة مع أطفاله الثلاثة وما رآه أوقفه متجمدا عند العتبة.
كان الصمت الذي يخيم على القصر أول ما يستقبله إيثان ستيرلنغ كلما عاد من رحلة بعيدة.
ذلك الصمت الفاره الذي لا يصنع إلا في ملكية تمتد على عشرة أفدنة في غرينيتش وفي جدران حجرية سميكة تشبه حصون القرون القديمة حيث لا يسمع سوى خفقات القلب أو صدى الخطوات.
توقف إيثان عند عتبة غرفة الحضانة يده مشدودة على مقبض حقيبته الجلدية كأنه يستند إليها كي لا يسقط.
ربطة عنقه كانت مرتخية والزر الأعلى من قميصه مفتوحا شاهدا على رحلة طيران مرهقة امتدت ثماني عشرة ساعة من طوكيو إلى نيويورك رحلة لم يحسب لها باقيا ولا راحة.
عاد قبل موعده بثلاثة أيام.
لم تكن صفقة الاندماج مع كايتو تك هي السبب الحقيقي نعم أغلقت بسرعة غير متوقعة لكن ما دفعه للعودة لم يكن انتصارا مهنيا.
كان إحساسا غامضا أشبه بنبضة مغناطيسية في صدره تدفعه إلى ترك حفل العشاء الاحتفالي وإصدار أمر بالإقلاع الفوري للطائرة الخاصة.
لم يفهم ذلك الشعور حينها لكنه فهمه الآن.
ما إن وقف على مدخل الجناح الغربي حتى انكشف له السبب.
كانت المربية الجديدة التي لم يلتق بها قط راكعة على السجادة المخملية ذات الأزرق العميق.
اسمها سارة لا يعرف عنها أكثر مما ذكرته مساعدته فتاة هادئة محترفة اختارتها الوكالة بعناية.
كانت ترتدي زيا أسود بسيطا ومئزرا أبيض صغيرا يمنحها مظهرا أقرب لنسائم البيوت القديمة غريبا وسط الحداثة الباردة للقصر.
لكن سارة لم تكن ما سرق أنفاسه.
كانوا هم.
أطفاله الثلاثة ليام ونوح ومايسون.
كانوا جاثين إلى جانبها يطوون أيديهم الصغيرة على صدورهم عيونهم مغلقة بطمأنينة لم يرها عليهم يوما.
بلغوا الخامسة لكن صورهم الراسخة في ذاكرته كانت لثلاثة صرخات مولودين لم يستطع حمل أي
ظلت تلك اللحظة جرحا لا يلتئم جرحا جعله يمد لهم كل شيء إلا نفسه.
وفر لهم أفضل الأطباء وأفخم الألعاب ومربيات من كل الجنسيات.
أما حضوره فقد كان أفقر ما في حياتهم.
والآن رأى فيهم شيئا يوجعه أكثر من البعد
سكينة لم يكن هو جزءا منها.
قالت سارة بصوت خفيض دافئ كأنها تلاطف الهواء
شكرا لك على هذا اليوم.
وردد الصبية ببراءة تهز الأعماق
شكرا لك على هذا اليوم وشكرا على الطعام الذي يغذينا والسقف الذي يحمينا
ثم أعادوا العبارة الأخيرة وحدها كأنها مفضلتهم.
وشكرا على الطعام
اهتز جسد إيثان.
هو الرجل الذي تقف الأسواق على كلمة منه يشعر بالعجز في بيته أمام أطفاله.
تابعت سارة برفق
والآن أخبروا الله ما الذي أسعدكم اليوم.
فتح ليام الأكبر بدقيقتين والأكثر شغبا عادة عينا واحدة بحذر طفولي ثم أغلقها في سرعة وشد جبينه ليبدو جديا.
قالهمسا
أعجبني البانكيك اللي له وجه مبتسم.
ضحك نوح بخجل
وأنا أعجبني ذلك الحصان الشجاع في القصة.
أما مايسون الأكثر صمتا فكأنه سحب الهواء من صدر إيثان حين قال
وأنا أعجبني أنه اليوم ما حد صرخ.
كانت الجملة طعنة.
صغيرة صادقة جارحة.
هل كانت مربياتهم السابقات قاسيات
أم أن الصراخ كان يأتي من الفراغ الذي تركه
من صمت الأب الغائب الذي ملأ البيت بالبرد بدل الحنان
مسحت سارة خصلة شعر عن جبين مايسون وقالت
هذا شيء جميل تشكر الله عليه يا مايسون. آمين.
آمين!
صرخوا بفرح واندفعت منهم ضحكات ناعمة كسقوط مطر خفيف.
عندها فقط رفعت سارة رأسها فرأت إيثان.
فقدت لونها.
نهضت بسرعة رتبت مئزرها واتسعت عيناها دهشة.
السيد ستيرلنغ لم نكن نتوقع وصولك قبل الخميس.
تجمد الأولاد فورا.
تلاشت الضحكات.
ثلاث عيون صغيرة تشبه عينيه حدقت فيه بتوجس واضح.
اقتربوا جميعهم نصف خطوة من ساقي سارة كأنها
وأحس قلبه ينكسر.
قال بصوت أجش
انتهت المفاوضات مبكرا لا تسمحي لي بإزعاجكم.
قالت سارة في هدوء مهذب
كنا ننهي روتين المساء فقط.
ثم انحنت قليلا نحو الصغار
يا أولاد قولوا مساء الخير لأبيكم.
قالوا بجمود يشبه الانضباط العسكري
مساء الخير أبي.
ورآهم حقا لأول مرة.
بملابس نوم مزينة بصواريخ وفضاء.
لم يكن يعلم حتى أنهم يحبون الفضاء.
قال بصعوبة
مساء الخير.
وأدرك أنه لا يعرف ماذا يقول بعدها.
تمنى لو يسأل عن البانكيك عن الحصان عن يومهم لكنه لم يعرف كيف.
كأن عضلة الأبوة فيه أصابها ضمور طويل.
قال فقط
تابعوا.
وغادر قبل أن يرى ارتعاشة أيديهم الصغيرة.
لم يذهب إلى مكتبه.
ذهب إلى غرفته.
جلس على حافة السرير ودفن وجهه بين يديه.
في صباح اليوم التالي تغير وجه القصر بأكمله.
لم يغادر إيثان إلى مكتبه.
وعندما دقت السابعة والنصف والمطبخ يضج بنشاط صامت لإعداد قهوته السوداء ووجبة الصغار المتوازنة فاجأ الجميع بدخوله.
لم يرتد بدلة.
كان يرتدي سترة كشمير داكنة وبنطال جينز يبدو جديدا كليا عليه.
ملابس الأب العادي لا رجل الصفقات.
كانت سارة هناك تعد البيض المخفوق.
تجمدت والمغرفة معلقة في الهواء.
قال في بساطة مرتبكة
صباح الخير.
ثم جلس لأول مرة على طاولة المطبخ الصغيرة بدل طاولة الطعام الرسمية.
قالت سارة بخجل
صباح الخير سيدي.
ثم أشارت للصغار
يا أولاد الفوط على الركب.
تسلق الثلاثة مقاعدهم يراقبون والدهم بحذر جديد.
قال إيثان فجأة
سآكل ما يأكلونه.
رمشت سارة بدهشة
إنها فطائر ميكي ماوس يا سيدي مع البيض.
ممتاز.
بدأ الإفطار بصمت ثقيل.
لا يسمع إلا همهمة الثلاجة وصوت الشوك الصغيرة تضرب الأطباق.
وخلال ذلك راقب إيثان سارة.
كانت تتحرك بعذوبة لا يستطع وصفها.
لم تكن تطعمهم فقط بل كانت تعرفهم.
تقص فطائر مايسون على شكل مثلثات لا يأكل
تزيد الشراب على طبق ليام لأنه يعشق السكر.
وتبعد البيض عن فطائر نوح لأنه يكره اختلاط الطعام.
كانت تعرف خرائط أرواحهم الصغيرة بينما هو والدهم لا يعرف حتى أسماء ألعابهم.
شعر بغيرة مؤلمة ثم بخزي أشد.
قال محاولا فتح باب لم يعرف كيف يفتح
سمعت أنكم تحبون الفضاء. من مناماتكم.
قفز الصغار الثلاثة في مقاعدهم من المفاجأة
ولأول مرة التمعت في عيونهم شرارة لم تأت من خوف.
نظر ليام إلى سارة نظرة صغيرة ممتلئة برجاء طفولي فأومأت له بهدوء يشبه الضوء حين ينساب على سطح الماء. التفت الصغير نحو والده وقال بصوت خافت لكنه ثابت
نعم نريد أن نذهب إلى المريخ.
رفع إيثان حاجبيه بدهشة مشوبة بشيء من الإرهاق. كانت طلباتهم غالبا تنحصر في الألعاب القصص أو زيارة المتحف لكن المريخ ذاك كان شيئا آخر تماما. قال متسائلا
المريخ إنها رحلة طويلة للغاية لماذا المريخ تحديدا
كان نوح يختبئ خلف كتفي أخيه حتى تلك اللحظة ثم تقدم خطوة وقد تجمع في صدره شجاعة صغيرة وقال وهو يشد على طرف قميصه
لأن مامي في السماء والمريخ أقرب للسماء.
خرج الهواء من صدر إيثان دفعة واحدة كأنه تلقى ضربة غير مرئية في أعماقه.
اسم إيلينا كان محرما تقريبا في هذا المنزل.
أغلق كل صورها داخل خزائن المكتبة وخبأ ذكرياتها تحت طبقات من الورق والزجاج. لم يذكر اسمها يوما منذ رحيلها. أقنع نفسه بأنه يحمي الصغار من الألم لكنه أدرك الآن بوضوح مؤلم أنه لم يكن يحمي إلا بقايا قلبه هو.
رفع نظره نحو سارة. توقع أن يرى في عينيها شفقة لكنه لم يجدها. رأى تحديا لطيفا دعوة صامتة ألا يهرب.
قال للأولاد بنبرة حاول أن يجعلها متماسكة
هل قالت لكم الآنسة سارة هذا الكلام
همس مايسون وهو يعبث بأصابعه
قالت لنا إن مامي بتشوفنا وإن لما بندعي كأننا بنبعت لها رسالة بس بقلبنا.
التفت إيثان نحو سارة
رسائل بالقلب
ابتسمت ابتسامة مريحة كنسمة صيف وقالت
الاستعارات هي لغة الطفولة يا سيدي. تجعل الغيب أقل غموضا وأكثر احتمالا.
عاد ينظر