وصل الملياردير دون إعلان مُسبق، ورأى الخادمة مع أطفاله الثلاثة وما رآه أوقفه متجمّدًا عند العتبة
المحتويات
إلى أولاده الثلاثة.
الوجوه المشبعة بالسيروب والرجاء عيون واسعة تنتظر منه شيئا أي شيء.
قال بصوت مبحوح لكنه دافئ
أمكم كانت تحب النجوم.
مر طيف ابتسامة حزينة على شفتيه وتغير صوته حين لامست الذاكرة أطرافه
في شهر العسل ذهبنا إلى الصحراء لنرى السماء معا. كانت تعرف أسماء النجوم كما يعرف المرء أسماء أحبته.
قال نوح باندهاش
وأنت تعرفهم
تردد إيثان لحظة ثم قال باعتراف هادئ
أعرف بعضها فقط بعضها.
ولم ينتظر ليام هذه الإجابة بل قال بحماس طفولي
تورينا الليلة
نظر إيثان إلى ساعته عادته القديمة التي لم يستطع تركها. كان لديه اجتماع خلال عشرين دقيقة. لكنه حين رفع عينيه ورأى الوجوه الثلاثة المتعلقة به كما لو أنه كوكبهم الوحيد قال بلا تردد
الليلة. إذا كانت السماء صافية. سنستخدم التلسكوب في المكتبة.
صرخوا دفعة واحدة
عندنا تلسكوب!
لم يكن الانتقال سهلا ولا سريعا.
سنوات الغياب لا تمحى بموعد عشاء واحد ولا بوعود بسيطة.
لكن خلال الأسبوعين التاليين حدث ما لم يتوقعه إيثان بقي في المنزل.
أغلق باب مكتبه لكنه تركه نصف مفتوح.
وعاد البيت ينبض كما لو أن الحياة وجدت طريقها إليه من جديد.
كان يسمع ضحكات الصغار خطواتهم الصغيرة صرخاتهم وهي تتسابق مع براءة النهار.
وفي كل مرة يرفع رأسه كان يجد سارة
هادئة راسخة تنبت في البيت بطمأنينة لم يفهمها أول الأمر.
لم تعامل الأولاد كأمراء قصر بل كأطفال يحتاجون إلى قواعد وحدود.
علمتهم ترتيب ألعابهم قول من فضلك والامتنان.
علمتهم أن الفوضى يمكن ترتيبها وأن الخوف يمكن التحدث عنه وأن الغياب لا يعني النهاية.
وذات ظهيرة ممطرة وجدها في المكتبة ترتب الكتب بينما كان الأولاد نائمين.
قال لها بلهجة أقرب للاستفهام منها للاعتراض
أنت تعلمينهم الدين.
لم يكن الاتهام مقصودا لكنه خرج كما لو أنه يختبر
التفتت إليه سارة وقالت بهدوء الواثق
أعلمهم الإيمان يا سيدي. وشتان بين الاثنين. أعلمهم أنهم جزء من شيء أكبر من هذا القصر وأنهم محبوبون من مرئيين ومن غير مرئيين.
قال إيثان بصوت متعب كأن بدايات اعتراف تتشكل بداخله
أنا لست رجلا متدينا. بعد موت إيلينا فقدت إيماني بأي خطة بأي رحمة.
أجابت بصوت صادق يخلو من التنظير
هذا طبيعي. لكنهم فقدوها أيضا. ولم يكن لديهم عمل يحمون به أنفسهم. كان لديهم فقط الصمت صمتك الذي تركته لهم.
تقلص شيء ما في قلبه كأنه اعترف بأن كلمة واحدة منها اخترقت الدفاعات التي بناها لسنوات.
قال بصوت خافت
تظنين أني هجرتهم
قالت دون أن تخفض عينيها
أظن أنك هجرت نفسك أولا وهم تحملوا النتيجة. لكنك هنا الآن وهذا يكفي.
مرر يده على محيط كتفيه كمن يرمم جدارا متصدعا ثم قال
لا أعرف كيف أكون أبا. كلما نظرت إليهم رأيتها ويؤلمني الأمر. كل مرة يؤلمني.
قالت بهدوء يشبه يدا تربت على الروح
ذلك الألم هو دليل أنك أحببت. ولو لم يوجد لما كنت حيا. دعهم يرونه فهم يظنونك تمثالا. كن إنسانا أمامهم سيسندونك كما تسندهم.
وجاءت الذروة بعد ثلاثة أيام حين ضربت عاصفة نورإيستر شاطئ كونيتيكت.
كان الهواء يعوي حول جدران القصر الحجرية كوحش يزأر في وجه العالم.
وفي الثانية بعد منتصف الليل دوى الرعد بقوة كأن السماء انشقت نصفين.
انقطع التيار الكهربائي.
اشتغلت المولدات لكنها احتاجت ثوان طويلة طويلة بما يكفي لإفزاع الصغار.
استيقظ إيثان على صرخاتهم.
قفز من سريره انتزع مصباحا يدويا وركض نحو غرفة الحضانة.
كان يظن أن سارة سبقت إليه لكنها لم تفعل.
وعندما فتح الباب تجمد في مكانه.
كان الأولاد الثلاثة متكورين في زاوية الغرفة يحتضنون بطانياتهم كأنها دروع ويمسحون دموعهم بأطراف أكمامهم.
كانت سارة تحاول جمعهم بين ذراعيها
صرخ مايسون فور رؤيته
باباااا!
لم يقل أبي
قال بابا للمرة الأولى منذ سنوات.
سقط المصباح من يد إيثان.
لم يحسب لم يفكر بل اندفع بثلاث خطوات واسعة نحوهم وخر على ركبتيه أرضا.
فتح ذراعيه كأنهما آخر مظلة في العالم وقال
أنا هنا أنا ماسككم لا تخافوا.
اندفع مايسون ونوح إلى صدره وقفز ليام على ظهره كمن وجد بر الأمان أخيرا.
شعر بقلوبهم الثلاثة تخبط صدره كطيور مذعورة تبحث عن عش.
هتف ليام
الوحش برا!
قال إيثان بحزم دافئ
ما فيش وحش السما بس زعلانة. السحاب بيخبط ببعض.
جلست سارة قرب الباب تتنفس بتعب لكن عينيها كانتا تلمعان بفخر لا يشبه أي كلام.
قال نوح باكيا
قول الدعاء الدعاء يا بابا!
نظر إيثان إلى سارة.
لم يعرف الكلمات.
فهمست له
اشكر ربنا على السقف
أغمض عينيه وأسند ذقنه على رأس نوح وقال بصوت مرتجف
شكرا على السقف اللي بيحمينا وعلى الجدران القوية وشكرا إننا دافيين وإننا مع بعض.
همس مايسون
وشكرا على بابا
أغلق إيثان عينيه بقوة حتى لا ينهار.
قال
وشكرا على بابا
ثم أضاف بصوت يخرج من أعماق صداه القديم
وشكرا على الآنسة سارة
قال ليام بحنان يوجع القلب
وشكرا على مامي اللي فوق في النجوم
قال إيثان
وشكرا على مامي اللي بتحب المطر.
هدأت العاصفة شيئا فشيئا وهدأت أجسادهم فوقه حتى ناموا جميعا كجراء صغيرة فوق صدره.
ساعدته سارة على الوقوف وكانت يدها دافئة حقيقية كأنها اليد التي انتظرها منذ زمن.
قالت بصوت رقيق
أحسنت.
قال بامتنان صادق
كان عندي معلمة جيدة شكرا يا سارة. أنت رجعتيهم لي.
ابتسمت
هم لم يذهبوا قط كانوا ينتظرونك فقط.
حل الصيف.
أشرقت الشمس فوق حديقة آل ستيرلنغ ولم يعد الصمت يخيم على المكان.
صوت رشاشات الماء نباح الجرو الذهبي ضحكات الأطفال وهي تتقافز بين العشب.
جلس إيثان
كان يشاهد ليام ونوح وهما يحاولان تعليم الجرو جلب الكرة يركضان خلفه ويضحكان حين يسبقهم.
خرجت سارة من باب المطبخ تحمل صينية عصير الليمون بكلتي يديها.
كانت رائحة الليمون الطازج تمتزج برائحة العشب المبتل فامتلأ الجو بشيء يشبه الانتعاش يشبه بداية جديدة.
كانت ترتدي فستانا صيفيا أصفر بلون الشمس حين تنعكس على زجاج النوافذ الكبيرة.
لم تعد ترتدي المئزر الأبيض الذي كان يذكره دوما بأنها موظفة
الآن صارت جزءا من الصورة نفسها لا خلفية لها.
قالت وهي تراقب الصغار يطاردون الجرو حول رشاشات المياه بابتسامة تضيق معها عيناها الجميلتان
هكذا سيتعبون الكلب قبل حلول الظهر.
ضحك إيثان ضحكة خفيفة سلسة كأن الطريق إلى الضحك أصبح أقصر.
قال وهو ينظر إليها نظرة أطول مما اعتاد
وهو أفضل منهم.
ثم صمت وتعمق في مراقبتها
وكأن شيئا جديدا بدأ يتفتح بداخله شيء يشبه الاعتراف
أو بداية قصة أخرى لم تولد بعد.
كانت هناك ملامح جديدة تستقر على وجهه ملامح لم تألفها قسماته منذ سنوات طويلة كأن شيئا داخليا أعاد ترتيب نفسه بهدوء. لم يكن اختلافا في الثياب ولا في الطريقة التي يسند بها ظهره إلى المقعد الخشبي في الشرفة بل كان اختلافا أعمق اختلافا يقيم في العينين في الاسترخاء الذي يسبق ابتسامة غير متوقعة وفي الكتف الذي لم يعد يقاوم الهواء وكأنه يحمل صخرة لا حق له في وضعها أرضا.
كان رجلا تقاس ثروته بالأرقام التي تحتاج برامج مالية لاحتسابها ومع ذلك كان يسير طوال سنوات مضت كأن كل خطوة تحرك جبلا من الزجاج فوق كتفيه يخشى أن يلتفت فينكسر شيء ويخشى أن يطيل النظر إلى الأمام فيرى فراغا ويخاف أكثر أن ينظر إلى الداخل فيجد ألما لم يتعلم كيف يواجهه.
أما الآن فكان كمن أنزل نصف الجبل وربما أكثر
وضعت سارة الصينية على الطاولة الصغيرة رائحة الليمون والنعناع تسبق صوت الكؤوس ثم اعتدلت واقفة. التفتت
متابعة القراءة