ساعد امرأة عجوز تحت المطر… فاكتشف أنها أمّ المدير التنفيذي
منه كما حذرته الرسائل الغامضة من قبل
دار بعينيه في الغرفة كمن يبحث عن مخرج وهمي. صمت كثيف يملأ المكان وصدى أفكاره يدوي كخطوات في ممر طويل لا نهاية له. ثم نهض كأنه يدفع جسده دفعا وارتدى معطفه دون وعي. التفتت آريا إليه لكن نظرة واحدة في عينيه كانت كافية لتفهم أنه لا مساحة الآن للكلمات.
قال بصوت منخفض
سأعود سريعا لا تقلقي.
لكن القلق لم يفارقها بل انتقل إليها منه كعدوى.
خرج ماركوس إلى الليل البارد والمدينة تغرق في ضباب خفيف والشارع يبدو كأنه يراقبه. ظل يمشي بخطوات سريعة والرسالة تتردد في عقله كجرس إنذار. وعندما وصل إلى الشركة وجد أن الأضواء مضاءة على غير العادة والحراس يقفون بصرامة كأنهم ينتظرون شيئا غير مألوف.
فتحوا له الطريق فور أن رأوه دون كلمة.
وهذا وحده كان مريبا.
صعد إلى الطابق الأخير الطابق الذي لا يدخله سوى التنفيذيين والإدارة العليا. الباب الكبير في نهاية الممر كان مفتوحا كأنه
دلف إلى الداخل.
كانت الغرفة فسيحة ومضاءة بضوء أبيض بارد.
وعند الطاولة المستديرة جلست ثلاثة وجوه مألوفة وثلاثة أخرى لم يرها من قبل. رجال بملامح جامدة وأعين لا تظهر سوى المراقبة.
وقفت المديرة العامة امرأة صارمة اعتاد أن يراها تتحكم بالمؤسسة كلها بلمحة. نظرت إليه نظرة طويلة ثم قالت بنبرة محايدة تخفي أكثر مما تظهر
ماركوس لدينا أمور كثيرة يجب مناقشتها.
اقترب ببطء وقال بصوت ثابت قدر استطاعته
هل هناك مشكلة في القسم
تبادلت الإدارة النظرات ثم وضعت المديرة ملفا أسود أمامه.
فتحته.
فجمد الدم في عروقه.
صور رسائل تحويلات مالية مستندات لم يرها من قبل لكنها تحمل اسمه وتوقيعه. أشياء ملفقة بإتقان كأن أحدهم قضى أسابيع وهو يصنع نسخة مظلمة منه.
رفعت المديرة عينها إليه
تفسيرك
لم يستطع الكلام.
لم يستطع حتى التنفس.
فجأة فتح باب الغرفة.
دخلت فيكتوريا.
كأن الظلام نفسه دخل معها.
ابتسمت
أظن أن الوقت مناسب كي نكشف الحقيقة أليس كذلك يا ماركوس
نظر إليها بذهول كيف لماذا هنا
اقتربت أكثر وقالت للإدارة
كل ما ترونه هنا جزء صغير فقط. الرجل الذي تثقون به يخفي الكثير.
التفتت إليه وهمست بصوت لا يسمعه سواهما
قلت لك إن اللعب معي ليس فكرة جيدة.
حاول ماركوس أن يتكلم لكن المديرة قاطعته
سيتم إيقافك مؤقتا عن العمل لحين انتهاء التحقيق. وهذا ساري من الآن.
ثم أشارت للحراس.
اقترب رجلان منه.
لكن في اللحظة ذاتها
رن هاتف أحد أعضاء الإدارة.
رن بقوة بإلحاح.
نظر إلى الشاشة فتغير وجهه فجأة.
قال لهم بارتباك
توقفوا لدينا تطور جديد.
فتح مكبر الصوت.
وجاء الصوت واضحا
لدينا اعتراف كامل من الشخص الذي قدم الأدلة.
سادت لحظة صمت.
ثم أكمل
الاعتراف يؤكد أنها ملفقة بالكامل وأن من دفع مقابل تزويرها هو
التفتت العيون نحو فيكتوريا.
فيكتوريا هاربر.
تجمدت ملامحها لأول مرة.
سقط صمت كثيف.
مديرة الشركة نظرت إليها ببرود تام
هل لديك ما تقولينه
لكن فيكتوريا لم تتحرك.
ماركوس شعر بارتجاف خفيف في أصابعه كأن العاصفة التي عاشها أخيرا بدأت تتراجع.
الحراس ابتعدوا عنه.
الملفات أغلقت أمامه.
تنفس.
تنفس لأول مرة منذ أسابيع.
خرج ماركوس من الشركة بعد ساعة كاملة من التحقيقات والاعتذارات وإلغاء القرار.
الهواء الليلي بدا أخف وكأن العالم عاد إلى مكانه الطبيعي.
وعندما عاد إلى بيته وجد آريا تنتظره في الصالة عيناها مليئتان بالخوف.
اقترب منها جثا على ركبتيه واحتضن يدها الصغيرة.
قال بصوت هادئ
انتهى كل شيء يا ملاكي الحقيقة دائما تنتصر في النهاية.
ابتسمت آريا ثم ألقت بنفسها بقوة كأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الوقت.
وعرف ماركوس آنذاك أن العاصفة
وأن البيت رغم كل الندوب أصبح أخيرا مكانا آمنا من جديد.