أستطيع إصلاحه متسوّلٌ مشرّد يسمع بكاء مليارديرٍ فيعلّمه ما فشل فيه الجميع

لمحة نيوز

من رجل يحاول أن يستعيد ذاته ورجل يخشى أن تفترس تلك الذات مرة أخرى إن هو كشفها أكثر من اللازم.
سأله جونسون وهو يسند كفيه إلى حافة الطاولة محاولا قراءة ما وراء العيون الهادئة
ومن أين تعلمت هذا
لم يجب ويليامز فورا. رفع يده ببطء ولامس جيب معطفه كما لو كان يتحقق من نبض قلبه هناك. ثم قال بصوت منخفض اتخذ شكلا من الصراحة الموجعة
تعلمته من عملي ومن أخطائي ومن السنين التي أصغيت فيها للطائرات وهي ترتعش خوفا قبل البشر ومن الليالي التي استمعت فيها للأرقام وهي تكتم صرخاتها حين تساء قراءتها.
كانت كلمات لا تعلق في الهواء كالجمل العادية بل تنفذ في الصمت وتتغلغل بين المقاعد. كان بعض المهندسين يحدقون فيه وكأنهم يرون لأول مرة رجلا يتحدث عن الأرقام كما يتحدث الآخرون عن القصائد.
نهضت المهندسة الكبيرة المرأة التي طالما وصفوها بصلابة الفولاذ. قالت بثقة فيها قليل من الاعتذار
جربنا المرشح الأسبوع الماضي. حسن الأداء قليلا لكن عندما اشتد الاهتزاز ظل النظام القديم يقاتل الطيارين بلا رحمة.
ابتسم ويليامز ابتسامة قصيرة تكاد تكون ظلا لابتسامة ثم رسم مربعا جديدا على اللوح وفي داخله
كتب بخط واضح
تدخل الطيار المبكر 
ثم التفت إليهم وقال
أعطوا الطيار الصوت الأقوى منذ اللحظة الأولى لا بعد أن يخسر السيطرة. دعوه يتقدم القرار ثم دعوا النظام يتعلم من هدوئه عندما يستقر الوضع. الآلة يجب ألا تكون متعجرفة بل متواضعة أمام الإنسان.
انطلقت ضحكة خفيفة في الغرفة. ليست ضحكة سخرية بل دهشة من رجل دخل عليهم من الباب الخطأ لكن يتحدث كأنه عاش داخل الطائرة نفسها.
سأل أحد المهندسين بصوت حاد يحمل آخر ما تبقى في داخله من مقاومة
وماذا لو اتفقت الحساسات الثلاثة على قراءة خاطئة ماذا لو أخطأ الجميع في اللحظة ذاتها
أجاب ويليامز بثقة هادئة لا أثر فيها لغرور
نادر لكنه محتمل. وعندما يحدث نجري فحصا نبضيا كل 0 3 ثانية. مجرد نبضات صغيرة لكنها تكفي لتمنع الكارثة قبل أن تبدأ.
عندها انقلب صمت الغرفة. لم يعد صمت الخوف بل صمت الفهم. صمت رجل رأوا فيه فجأة جوابا كان مختبئا أمام أعينهم منذ أشهر.
تقدم جونسون خطوة إلى الأمام. كانت أنفاسه مرتفعة قليلا كأن قلبه سبق تفكيره. قال بحدة لا تخفي الرجاء
ابنوا نموذجا سريعا فورا. أريد محاكاة كاملة خلال دقائق.
استدار فريق المهندسين
كجيش تلقى أمرا حاسما. انطلقت أصوات لوحات المفاتيح وأضاءت الشاشات وتحول اللوح الأبيض من فوضى إلى طريق.
وبينما كانوا يستعدون اقترب جونسون من ويليامز وسأله كأنه يواجه لغزا بشريا
قلت إن اسمك ويليامز أين تسكن
تصلبت يد ويليامز حول القلم ثم قال بلا خجل بلا خوف بلا محاولة تزيين الحقيقة
تحت الجسر.
مرت لحظة طويلة لحظة تساوي كل التناقضات التي عاشها. رجل من الشارع يقف الآن في قلب أكبر شركة طيران فضائي في إفريقيا وبين يديه ما عجزت عنه فرق كاملة.
لكن لم يكن الوقت وقت صدمة فقد بدأ الاختبار.
وقفت الطائرة الرقمية في منتصف الشاشة الكبرى. محركان جناحان عريضان مقدمة حادة تشق الهواء. بدا المشهد أشبه بلوحة فنية مرسومة على خلفية رمادية.
قالت المهندسة الرئيسية وصوتها يحمل كل ما عاشته الأسابيع الماضية من فشل وخوف
سنبدأ بأسوأ سيناريو. نفس الحالة التي دمرت كل تجاربنا.
أومأ جونسون
ابدئي.
بدأت المحاكاة.
انطلقت الطائرة على المدرج ارتفعت واجهت الرياح ثم جاءت اللحظة التي يعرفها الجميع. اللحظة التي يفقد فيها النظام القديم صوابه.
لكن ويليامز همس كأن الطائرة تسمعه من وراء الشاشة
يد ناعمة
وكأن
الكلمات كانت مفتاحا سحريا استجاب النظام الجديد كما لو كان طفلا يتعلم التنفس. التقط المرشح الاهتزازات هدأها تناغمت الحساسات ثبتت النبضات الرقمية.
وبعد ثوان ثقيلة
لم تهو مقدمة الطائرة كما اعتادت.
لم يصرخ النظام.
لم يقاتل الطيار.
بل انحنى الخط البياني انحناءة هادئة كأمواج بحر تتنفس بسلام.
ثم انطفأت الشاشة.
شهق الجميع. اهتزت الغرفة. صفارات ال انطلقت.
عاد التيار.
عاد الضوء.
عاد العرض.
وبقي مربع صغير في أعلى يمين الشاشة ينتظر لحظة الإعلان.
تقدم جونسون خطوة عيناه لا تريان سوى ذلك المربع.
هل أصلحناه
لم يجب ويليامز.
لم يتحرك.
كأن العالم كله علق على خيط واحد.
ثم
تبدل المربع إلى أخضر.
ظهر فيه نجاح  
وانفجرت الغرفة.
ارتفعت الأصوات التصفيق الصرخات دموع الراحة وارتجف الهواء كله كأن الأمل نفسه عاد للحياة.
أما ويليامز
فوقف ثابتا ويداه ترتعشان.
ليس من الخوف
بل من ذاكرة رجل طال به الطريق حتى نسي كيف يكون الانتصار.
لم يكن تصفيقا لرجل فقط
كان تصفيقا لإنسان قاوم العالم كله ولم يسقط.
وفي ذلك المشهد وسط الزحام والضوء والدهشة
كانت الخطوة التي ستغير حياته إلى الأبد قد بدأت
بالفعل.
ولم يكن يعلم أن المجد
وسقوط الظلال
سيولد من تلك اللحظة.

تم نسخ الرابط