حين اتُّهمت ابنة الجنرال بالكذب… ثم وصلت العربات العسكرية إلى بوابة المدرسة
المحتويات
على مقربة منهن الحركة الصغيرة التي قامت بها.
انزلقت الساعة الذهبية عميقا في الجيب الأمامي للحقيبة القماشية البالية وسط الأقلام ونسخة مهترئة الأطراف من كتاب فن الحرب. أصبح الفخ معدا بإتقان.
بعد دقائق قليلة فتح باب غرفة الملابس بعنف فانقطع الكلام وساد الصمت. وقفت السيدة أغاثا غارسيا في المدخل لا تبدو كمعلمة بل كقائدة فرقة مداهمة. جالت بنظراتها القاسية في المكان شفتيها منطبقتان في خط مستقيم يوحي بالازدراء.
قالت بصوت حاد
لا أحد يغادر.
وأضافت
وصلنا بلاغ عن سرقة سرقة خطيرة.
تبادلت الفتيات نظرات مرتبكة. وقفت أميرة ببطء وعلقت حقيبتها على كتف واحد. تكونت في معدتها عقدة باردة حدس الجندي الذي رباها والدها عليه ينذرها بأن هذا كمين.
قالت غارسيا بصرامة
سنتأخر عن الحصة التزمن الصمت.
تقدمت إلى الداخل بخطوات ثابتة وصوت كعبيها يرتطم بالأرض ارتطاما يوحي بالوعيد. لم تتوجه نحو بنات الأغنياء قرب المرايا ولم تلتفت إلى المشجعات. سارت في خط مستقيم تشق الصفوف ككاسحة جليد متجهة مباشرة إلى أميرة.
توقفت أمامها وقالت
أميرة جونسون أفرغي حقيبتك.
نظرت إليها أميرة بثبات.
لم
أجابت غارسيا ببرود
لأن بريستون ثورن فقد ساعته. والغريب أن عدة طالبات قلن إنهن رأينك قرب خزانته قبل الحصة.
قالت أميرة بصوت ثابت رغم الاضطراب الذي يسري في عروقها
هذا افتراء. لم أقترب من خزانته ولا منه. أنا أتجنبه أصلا.
رفعت غارسيا حاجبها وقالت بلهجة تحاكمها مسبقا
الدفاع المفرط علامة على الذنب.
ثم مدت يدها ذات الأظافر المصقولة
أعطيني الحقيبة وإلا استدعيت الشرطة فورا.
ترددت أميرة. تعرف أنها بريئة وأنها لا تخفي شيئا. إن رفضت ستبدو مذنبة وإن وافقت تبقى نظيفة أمام ضميرها. سلمت الحقيبة ببطء.
ارتسمت على وجه غارسيا ابتسامة ساخرة. لم تفتش لم تقلب شيئا لم تبحث. مدت يدها مباشرة إلى الجيب الأمامي كأن لديها خريطة داخلية. أخرجت الساعة. لمع الذهب تحت الأضواء الفلورية كحد السكين. شهقت الفتيات جميعا.
قالت أميرة على الفور وقلبها يطرق صدرها بعنف
لم أضعها هناك! لم آخذ شيئا أحدهم وضعها في حقيبتي.
رفعت غارسيا الساعة قليلا ونظرت إلى أميرة نظرة باردة. وفي تلك اللحظة لم تر فتاة في السادسة عشرة بل رأت شبح امرأة أخرى منذ ثلاثين عاما امرأة سوداء شابة عملت معها في المكتب ذاته. امرأة ظنت غارسيا أن الجميع فضلها عليها وأن حضورها القوي سرق منها احترام من حولها. ظل الجرح مفتوحا يفيض مرارة وها هي تصبه كله على ابنة لا علاقة لها بماضيها.
همست غارسيا بصوت مرتجف من الحقد
طبعا لم تفعلي أليس كذلك أنتم لا تتحملون المسؤولية أبدا. دائما مكيدة دائما تلفيق.
اقتربت حتى اقتحمت مساحة أميرة الشخصية وعطرها الثقيل يخنق الهواء من حولهما.
أمثالكم يأتون إلى مدارسنا يسيرون في ممراتنا وكأن المكان ملك لهم. ترون شيئا يلمع لا تستطيعون شراءه فلا تجدون سوى سرقته. تظنون أنكم تستطيعون سرقة حياتنا لأن حياتكم فارغة.
قالت أميرة بصوت مرتجف تحبس فيه الصراخ
لا أريد ساعته ولا ماله. أبي علمني أن الشرف أثمن من الذهب.
قهقهت غارسيا ضحكة حادة مجروحة
أبوك الجنرال الوهمي تسرقين ساعة لتظهري ثرية وتختلقين أبا لتشعري بالقيمة. أنت محتالة يا أميرة جونسون سارقة وكاذبة.
ثم التفتت إلى الفتيات ورفعت الساعة كأنها غنيمة
انظرن هذا ما يحدث عندما نخفض معاييرنا. هذا ما يحدث حين نسمح لهن بالدخول.
أمسكت ذراع أميرة بقوة مفاجئة.
إلى مكتب المدير الآن.
ترنحت أميرة خلفها وهي تسحب لكنها لم تقاوم. لو قاومت لانتهى كل شيء. رفعت رأسها عاليا وقد عقدت نية ألا تهديهم دموعها. مشت كما يمشي الأسرى دون أن تنحني.
وحين خرجتا إلى الممر كان الجرس قد قرع والممرات تعج بالطلاب. وعندما مرتا قرب خزانة الكؤوس رأته. بريستون ثورن متكئا على الخزائن محاطا بزملائه مبتسما بثقة من يعرف أنه محمي. لم يكن يبحث عن ساعته بل ينتظر العرض. وعندما لمح أميرة التقت أعينهما. ثم مال بنظره نحو غارسيا ومنحها غمزة بطيئة.
اشتدت قبضة غارسيا على ذراع أميرة وردت عليه بإيماءة صغيرة لا يلاحظها سوى من يدقق.
عندها ضرب الإدراك أميرة كصفعة.
لم يكن متنمرا فقط كان هناك تعاون. ابن سيناتور ثري ومعلمة تحمل جرحا قديما يتحركان معا كحلف واحد. اتفاق خفي مرسوم بحبر الامتياز ودم كرامتها.
ومع اقتراب باب مكتب المدير هايز بدا كفم وحش يستعد لابتلاعها. فهمت أميرة أنها تسير إلى محاكمة حسم حكمها سلفا.
كانت ساعة الرولكس الذهبية موضوعة على مكتب المدير تلمع تحت ضوء الهالوجين كدليل إدانة جاهز. وبالنسبة لهايز لم تكن ساعة بل أزمة سياسية إذا غضب السيناتور ثورن.
قال وهو يفرك صدغيه
الأدلة قاطعة. حيازة ممتلكات مسروقة سرقة كبيرة. من الناحية التقنية نحن ملزمون بالاتصال بالشرطة.
قالت أميرة بصوت متوتر
اتصل بهم. سيفحصون بصمات الساعة وسيرون أنني لم ألمسها. سيتحققون من غرفة الملابس.
توقف هايز فالمنطق في كلامها خطير لأنه يقود إلى الحقيقة. والحقيقة تغضب السيناتور.
قال بهدوء مصطنع
نفضل معالجة الأمر داخليا حفاظا على سمعتك. لكن علينا الاتصال بوالديك.
قالت فورا
اتصل بأبي الجنرال دومينيك جونسون.
أملت عليه الرقم. اتصل المدير ووضع الهاتف على المكبر. رن الجرس طويلا مرة اثنتان خمس عشرة. حدقت أميرة في الهاتف تدعو ربها ألا يكون في اجتماع ألا يكون في منطقة انقطاع.
ثم جاء الصوت الآلي
هذا خط آمن. المشترك غير متاح حاليا.
أغلق هايز المكالمة وعلى وجهه شفقة خافتة تخفي ارتياحا كبيرا.
قال
غير متاح مجددا. ونعلم يا أميرة أنه لا يوجد أي ملف يثبت عمل والدك جنرالا. فقط صندوق بريد.
قالت بصوت يتشقق
إنه في مهمة سرية لا يستطيع الرد دائما.
تقدمت غارسيا من زاوية الغرفة وصوتها كأنه زجاج مسحوق
أو أنه لا يرد لأنه يعرف حقيقتك.
اقتربت من المكتب وقالت بثقة باردة
هذا سلوك كلاسيكي يا مدير هايز السرقة الكذب المرضي بشأن الأب العدوانية كلها تعود إلى جذر واحد.
سأل المدير
وما هو هذا الجذر
قالت بنبرة انتصار
غياب الأساس الأخلاقي في البيت تحديدا غياب شخصية الأم. كثيرا ما نرى هذا في تلك الفئات. أم غائبة مهملة وربما متخلية. من دون أم تعلم الفتاة الرقة والتواضع ومكانها الطبيعي تصبح متوحشة تسرق الأشياء اللامعة لملء فراغ روحي.
تصلبت أميرة. الهواء خرج من صدرها دفعة واحدة. لم يكونوا يعرفون لم يشموا رائحة قسم الأورام حيث نامت أمها ثلاث سنوات تقاتل السرطان. لم ير أحد منهم الليالي التي قضتها تمسك دلوا بلاستيكيا بينما والدتها القوية تتقيأ من أثر الكيماوي. ولا تلك الليلة الأخيرة حين أمسكت الأم الهزيلة يد ابنتها وهمست كوني شجاعة يا جنديتي الصغيرة.
اقتربت غارسيا وهمست قرب أذنها
أنت لم تسرقي الساعة لحاجتك للمال بل لأن أمك لم تعلمك أنك لست أميرة. وربما لم تكن امرأة حقيقية أصلا ما دامت لم تستطع الاحتفاظ بزوج ولا بتربية ابنة تعرف الصواب من الخطأ.
شيء ما انكسر داخل أميرة. لم يكن قرارا بل انفجارا. السد الذي بناه والدها من الانضباط تحطم تحت ثقل الحزن والغضب.
هبت واقفة بقوة وانقلب كرسيها على الأرض.
صرخت
اخرسي! لا تجرئي أن تتحدثي عنها!
ضربت كفيها على المكتب وانحنت نحوه. انفجرت الدموع من عينيها حارة أخيرا.
قالت بصوت متهدج
ماتت ماتت بالسرطان. لم تتركني الموت هو الذي أخذها.
تراجع هايز في كرسيه الجلدي يبتلع ذعره من هذا الانفجار العاصف من المشاعر.
صرخت غارسيا كأن أميرة أشهرت في وجهها سكينا
عنف! رأيتم إنها عدوانية غير مستقرة تهاجمنا بلا سبب!
شهقت أميرة صدرها يرتجف كطائر منهك
أنا أدافع عن أمي!
ثم تابعت بصوت مبحوح
لن أسمح لك بتدنيس اسمها بفمك القذر.
قال هايز أخيرا وقد استعاد صوته المرتعش بصعوبة
كفى.
مد يده إلى قلمه محاولا إخفاء ارتباكه.
آنسة جونسون هذا الانفجار يؤكد كل ما ذكرته السيدة غارسيا. سلوك عنيف تهديد للهيئة التدريسية وتخريب لممتلكات المدرسة.
وقع بسرعة على الاستمارة الوردية
التي كانت جاهزة أمامه منذ البداية.
أنت موقوفة عن الدراسة فورا ريثما تنعقد اللجنة للنظر في طردك نهائيا. أعطيني بطاقة الطالب. الآن.
وقفت أميرة تتنفس بعمق والأدرينالين يتلاشى تاركا فراغا باردا في جسدها. نظرت إلى الاثنين أمامها رجل يختبئ خلف مكتبه وامرأة تختبئ خلف لآلئها.
أدخلت يدها في جيبها وأخرجت البطاقة البلاستيكية. الصورة الصغيرة التي تبتسم فيها كانت من يومها الأول يوم ظنت أن جيفرسون مدرسة للتعلم لا للمحاكمة.
أسقطت البطاقة على المكتب فاستقرت قرب ساعة الرولكس اللامعة.
همست بصوت خامد
احتفظوا بالبطاقة لكنكم لن تحطموا ما أنا عليه. والدي قادم وربكم يعينكم حين يصل.
قال المدير متجنبا النظر إليها
اخرجي قبل أن أستدعي الأمن.
استدارت وغادرت بلا كلمة بلا التفاتة. مرت عبر المكتب الخارجي حيث رمقتها السكرتيرة بنظرة مشفقة ثم دفعت الأبواب الثقيلة إلى الخارج.
ضربتها شمس الظهيرة كالمطرقة حادة ساطعة كاشفة.
كانت وحدها.
بلا مدرسة.
بلا اتصال بوالدها.
بلا ملاذ.
سارت في الطريق الطويل نحو البيت حذاؤها يحتك بالإسفلت الحار. كان طنين أذنيها يصمها حتى إنها لم تلاحظ الرينج روفر السوداء الرابضة عند زاوية الموقف الخلفي للمدرسة.
عندما دخلت الممر الترابي خلف الملعب دوى صوت محرك. تحركت السيارة لتقطع طريقها وانزلقت أمامها لتقف عرضا تبعث سحابة غبار. سيارتان أخريان أغلقتا الخلف.
توقفت أميرة.
ثلاث سيارات.
ثلاثة خصوم.
ولا مخرج.
فتحت الأبواب. خرج بريستون ثورن. وجهه كان قناعا مشوها بالامتياز الغاضب. إلى جانبيه لاعبان عملاقان من الهجوم معتادان على تلقي الأوامر وتنفيذها.
تقدم بخطوات بطيئة متعمدة
إلى أين يا سارقة
قالت بثبات رغم رعشة أصابعها
عائدة إلى المنزل يا بريستون. أنا موقوفة أنت فزت. انتهى الأمر.
ابتسم بسخرية جافة
هذا ليس فوزا. الطرد مجرد ورق. الفوز الحقيقي عندما تتعلمين مكانك.
وأشار إلى التراب أمام قدميها.
اركعي.
حدقت فيه
ماذا
كرر بصوت أعمق أقسى
اركعي. واعتذري لأنك تحدثت معي في المقصف. واعتذري لأنك كذبت عن ساعتي. واعتذري لأنك موجودة في مدرستي. وربما فقط ربما لن أطلب من الشباب هنا تفتيش حقيبتك بحثا عن مسروقات أخرى.
كان تهديدا صريحا. نظرت أميرة إلى الرفيقين ثم إليه.
ورأته كما لم تره من قبل
طفلا خائفا من أن يكون عاديا.
قالت بصوت هادئ لكنه حاد كالسيف
أنت مثير للشفقة.
تجمد مترددا
ماذا قلت
اقتربت هي لأول مرة تقتحم مساحته
لديك كل شيء المال السيارات المدرسة ومع ذلك أنت فارغ. تحتاج لتحطيم فتاة لا تملك شيئا لتشعر بأنك كبير. لست قائدا يا بريستون. أنت متنمر. ومن دون مال أبيك أنت لا شيء.
كانت كلماتها صفعة روحية. احمر وجهه وخفق صدغاه بعنف.
همس
اخرسي
رفعت صوتها يخرج غضب اليوم بأكمله
هل يؤلمك هل يؤلمك أنك مهما اشتريت من ساعات لن تشتري شرفا وأنك لن تكون نصف الرجل الذي هو
صفعة.
دوت كالرعد. سقطت أرضا فوق الحصى راحتا يديها تنجرحان والدنيا تدور حولها. ملأ رنين حاد أذنيها وتذوقت دما دافئا على شفتيها.
صرخ بريستون صوته متشقق
لا تتجرئي أن تتحدثي
رفعت يدها إلى شفتها نظرت إلى الدم ثم رفعت عينيها إليه. لم تبك.
نظرتها وحدها كانت ما حطم توازنه.
صرخ وركل حقيبتها بعيدا.
متابعة القراءة