رواية صوره علي مكتب زجاج كاملة

لمحة نيوز

صدمت السكرتيره لما شافت صورتها وهي صغيره في مكتب رئيسها...
انذهلت السكرتيرة الجديدة لرؤية صورتها في طفولتها في مكتب رئيسها... أصيبت السكرتيرة الجديدة بالذهول لرؤية صورة طفولتها في مكتب رئيسها.
كانت السماء فوق مكسيكو سيتي في ذلك الصباح صافية بشكل يستفز الأعصاب.
المدينة كلها تتحرك في دوامة ضجيج أما صوفيا راميريز فكانت تشعر وكأنها تسير داخل نفق زجاجي تسمع الأصوات من بعيد دون أن تصلها فعلا.
ضغطت بيدها على الملف الأزرق الذي يحمل سيرتها الذاتية كأنها لو تركته سيفر هاربا مثل أعصابها.
سمعت في رأسها صوت أمها كأنه تسجيل مكرر
حكايات توته وستوته للكاتبه اسما السيد
ارفعي راسك يا صوفيا حتى لو كنت داخلة مكان أغنى من أحلامك. هم عندهم المال وانتي عندك الكرامة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة نصفها امتنان ونصفها خوف.
فتح باب المصعد بشيء من الفخامة الهادئة وكأن المعادن نفسها تعودت على أن لا تصدر صوتا إلا بأجر.
خرجت صوفيا إلى ردهة واسعة يغطي أرضها الرخام اللامع تنعكس عليه الأضواء مثل سطح بحيرة صناعية.
يا إلهي
كان هذا هو الطابق الأخير في برج توري دي لوس أنديس حيث تقع مكاتب شركة المحاماة الشهيرة
أورتيغا أسوس. حكايات توته وستوته للكاتبه اسما السيد
كانت قد قرأت الاسم عشرات المرات في إعلانات الصحف في التقارير التلفزيونية وفي ركن الأخبار الاقتصادية
قضايا بملايين الدولارات دفاع عن الشركات العملاقة صفقات تحكيم دولي
وعلى رأس كل هذا الاسم الذي تردده وسائل الإعلام بإعجاب واحترام وأحيانا بخوف
فرناندو أورتيغا.
شدت صوفيا تنورتها السوداء البسيطة هي القطعة الوحيدة التي تبدو رسمية في دولابها.
أخذت نفسا عميقا وتقدمت نحو مكتب الاستقبال.
كانت هناك سيدة خمسينية ذات شعر رمادي أنيق مربوط

للخلف بدقة ونظارة مستطيلة تزيد عينيها حدة.
ترفع رأسها عن الكمبيوتر وتنظر إليها بتقييم سريع.
صباح الخير اسمي صوفيا راميريز السكرتيرة الجديدة للأستاذ أورتيغا.
قالت الجملة دفعة واحدة تقريبا وكأنها تخشى لو توقفت أن يتبخر التعيين كله.
رفعت موظفة الاستقبال إحدى حاجبيها حكايات توته وستوته للكاتبه اسما السيد
نعم وصلتنا أوراقك من الموارد البشرية. أنت في الوقت المناسب بالضبط. السيد أورتيغا لا يحتمل التأخير حتى لو بدقيقتين.
ثم أشارت برأسها إلى امرأة تنتظر بالقرب من الممر
تلك هي كارمن ستشرح لك كل شيء.
كارمن كانت امرأة ممتلئة قليلا في أوائل الستين تقريبا بوجه يحمل ملامح طيبة لكن عينيها فيهما لمعة ذكية جدا كمن رأى أشياء أكثر مما ينبغي في هذا المبنى.
صوفيا راميريز
نعم.
تعالي معي يا ابنتي واهدئي. لن يأكلك أحد هنا على الأقل في أول يوم.
ضحكت ضحكة صغيرة جعلت صوفيا تشعر بقليل من الراحة.
سارتا معا في ممر طويل على جانبيه مكاتب زجاجية مغلقة ترى فيها رجالا ونساء ببدلات أنيقة ينحنون فوق ملفات ضخمة أو يتحدثون بجدية في الهواتف.
قالت كارمن بصوت منخفض وهي تسير
اسمعيني جيدا. العمل مع السيد أورتيغا ليس سهلا لكنه ليس مستحيلا.
أهم شيء الدقة. كل شيء عنده محسوب بالدقيقة بالأوراق بالمواعيد. لا يحب الفوضى ولا الأعذار.
مفهوم.
ثانيا احترام الخصوصية. لا تفتحي ملفا دون أن يطلب منك. لا تلمسي ورقة على مكتبه إلا إذا أمرك بذلك.
حاضر.
ثالثا مهما بدا باردا أو صارما لا تأخذي الأمر بشكل شخصي. هكذا هو مع الجميع.
توقفت كارمن أمام باب خشبي كبير يعلوه لوح معدني متواضع يحمل الاسم
Fernando Ortega.
التفتت إليه ثم إلى صوفيا
مستعدة
لم تكن لكنها أومأت.
طرقت كارمن الباب طرقات خفيفة ثم فتحت
دون انتظار طويل
سيد أورتيغا السكرتيرة الجديدة وصلت.
جاء صوت عميق ثابت
أدخليها.
دخلت صوفيا فشعرت للحظة أنها دخلت عالما آخر.
المكتب كان واسعا جدار كامل من الزجاج يطل على المدينة ناطحات سحاب سيارات صغيرة من هذا الارتفاع كأنها لعب.
على الجانب الآخر جداران مغطيان من الأرض إلى السقف بكتب قانونية مجلدات ذات ألوان قاتمة.
وفي المنتصف مكتب كبير من الخشب الداكن خلفه يجلس رجل تجاوز الخمسين بقليل شعره مموج بدأ الشيب يغزوه لكن بطريقة تزيده وقارا وملامحه حادة تعرف طريقها إلى الكاميرات وقلوب القضاة.
لم يرفع رأسه فورا. كان يوقع على مجموعة أوراق يضع كل واحدة على حدة بعناية.
أخيرا رفع نظره نحوها.
تلاقت عيونهم للحظة.
شعرت صوفيا بقشعريرة خفيفة تسري في عمودها الفقري.
كانت عيناه رماديتين باردتين لكن في عمقهما حزن غريب كمن يحمل حكاية لا يعرف أن يرويها.
الآنسة راميريز
نعم سيدي.
اجلسي.
جلست على الكرسي المقابل وهي تحاول أن تضبط نفسها حتى لا تظهر توترها.
بدأ هو في تقليب ملف أمامه واضح أنه سيرة ذاتية مطبوعة.
تخرجت من جامعة أونام قسم إدارة أعمال. امتياز في السنة الأخيرة.
نعم.
عملت في مكتب محاسبة صغير لسنة ثم تركت العمل. لماذا
ترددت قليلا
كانوا يريدون أن أعمل عشر ساعات في اليوم بثمن ثمان فقط. وعندما طلبت زيادة بسيطة قال لي المدير إن هناك عشر فتيات مثلي ينتظرن الوظيفة خلف الباب.
ارتفع حاجباه قليلا كأنه فوجئ بصراحتها.
وماذا قلت له
قلت له افتح الباب إذن. وغادرت.
لأول مرة مرت ابتسامة سريعة جدا على فمه كأنها برق شق سحب وجهه المتجهمة.
حسنا. هنا لن نطلب منك عشر ساعات بثمن ثمان سنطلب اثنتي عشرة بثمن عشر لكن الفرق أننا ندفع جيدا.
ثم نظر إليها مباشرة
تقديرك في الجامعة ممتاز
وتوصيات أساتذتك جيدة جدا. أريد أن أرى نفس الالتزام هنا.
سأبذل كل جهدي سيدي. لن أخذلك.
كان يفترض أن تركز الآن مع ما سيقوله عن المهام المكالمات ترتيب المواعيد إعادة إرسال الإيميلات تنظيم الملفات تنسيق الاجتماعات
لكن شيئا على مكتبه شد عينيها سرق انتباهها من كل العالم.
إطار فضي صغير أنيق يبدو قديما بعض الشيء يستقر إلى جانب شاشة الكمبيوتر.
في داخل الإطار كانت الصورة.
للحظة شعرت صوفيا أن قلبها توقف.
فتاة صغيرة في الرابعة تقريبا فستان أبيض من الدانتيل شعر أسود مربوط بشرائط صفراء وفي يدها زهرة عباد الشمس أكبر تقريبا من وجهها تبتسم ابتسامة واسعة خجولة.
خلفها حديقة خضراء وبحيرة صغيرة.
هذه لم تكن صورة طفلة عادية بالنسبة لصوفيا.
هذه كانت هي.
نفس الفستان الذي ما زال حتى اليوم محفوظا في صندوق قديم تحت سرير أمها.
نفس زهرة عباد الشمس التي كانت أمها تحكي لها عنها تقول
في اليوم ده كنت مش عايزة تسيبي الزهرة حتى بعد ما أدبلت.
نفس البقعة الصغيرة السوداء في زاوية الصورة التي كانت أمها تقول إنها غلط في التحميض.
كيف!
الآنسة راميريز هل تسمعينني
انتشلها صوته من صدمتها لكنها لم تستطع كبح نفسها.
كانت تشير إلى الإطار بأصابع ترتعش
هذه الصورة
تجمد هو للحظة ثم التفت بنظره إلى حيث تشير.
لمع شيء سريع في عينيه كأن أحدهم فتح نافذة على ذكرى قديمة.
تحول وجهه في ثانية من حياد مهني إلى شيء أقرب إلى الألم والذعر معا.
ماذا عنها
صوته كان أقسى بقليل.
ابتلعت ريقها بصعوبة
من هذه الفتاة
حدق فيها بعمق كأنه يحاول أن يقرأ ما خلف السؤال.
ثم أجاب ببطء
هذه ليست من شأنك.
ثم أضاف بنبرة عادلة
نحن هنا لنتحدث عن عملك. ركزي من فضلك.
شعرت صوفيا كأن يدا باردة قبضت على قلبها.
لكنها لم تستطع أن
تسكت. شيء أعمق من الخوف وأقوى من المنطق كان يدفعها.
سيدي
نظرت مرة أخرى إلى الصورة وإلى عينيه
هذه أنا.
ساد صمت
تم نسخ الرابط