بعد علقة جوزي
بعد علقة جوزي بالليل… دخلت قطتي واتمددت زي أي يوم،
ولا قلت كلمة…
ولا حتى حاولت أفهم هو عمل كده ليه.
والصبح… قبل ما الشمس تطلع، كنت واخدة قراري.
قرار مش انتقام… ومش غفران…
قرار نُور، مش غضب.
صحيت بدري… لمّيت شعري، ودخلت المطبخ على أطراف صوابعي.
عملت عجينة الكريب، حمرت بيض، جهزت فراولة، وعملت قهوة زي اللي هو بيحبها…
حتى وأنا ريحته لسه على وشي من الليلة اللي قبليها.
وأنا بفرش السفرة حسيت براحة غريبة…
كنت هادية، يمكن أكتر من اللازم.
لما قام من النوم، قام بنفس الغرور اللي بيقوم بيه كل مرة يمد إيده عليّا ويفتكر كده إنه “راجل البيت”.
شم ريحة الأكل، وطلع يجري على السفرة.
ولما شافها مفرودة—كريب، بيض، فاكهة، قهوة—ابتسم.
ابتسامة مقززة…
ابتسامة اللي فاكر إنه كسر اللي قدامه خلاص.
وقال وهو بيجر الكرسي:
“حلو… أخيرًا فهمتي.”
لكن فجأة…
اتجمّد مكانه.
لأن اللي كان قاعد على السفرة…
ماكانش أنا.
كان أخويا الكبير.
كريم، اللي جوزي بيخاف يقابله
علشان كريم مرة قال له بمنتهى الهدوء:
“لو مدّيت إيدك عليها… هعرف. وساعتها هنقعد سوا.”
كريم رفع عينه عليه…
ببُطء…
وبتركيز…
وبصوت هادي هدوء يخوّف:
“صباح الخير يا محمود… نور قالت لي كل حاجة.”
محمود وشه وقع.
اتسحب منه الدم كله.
بقى عامل زي الولد اللي اتفاجئ إن المدرّس جاب أبوه المدرسة.
دخلت أنا، وحطيت طبق أخير على السفرة، ووقفت قدّامهم الاتنين.
إيديا ثابتة…
قلبي ثابت…
وصوتي ثابت.
– “اقعد يا محمود… لسه ماكملناش كلامنا.”
ساعتها… كل حاجة اتغيرت.
الخوف اللي كان مالي البيت… اتحرك من ناحيتي… ورح قاعد جنبه هو.
محمود ما قعدش.
كان بيبص بالكعب… زي اللي بيدوّر على مخرج.
بس وجود كريم كسر اللعبة اللي كان بيلعبها طول السنين.
قعدت أنا الأول.
وما عملتش اللي دايمًا بعمله…
ما قعدتش مطأطأة راسي ولا ضامّة إيديا.
ولا مستنية انفجار.
أنا كنت… كاملة.
واقفِة.
محمود حاول يهدّي صوته:
– “نور… إنتي عارفة إني ماكنتش أقصد… ده كان يوم صعب…”
قلتله
– “كفاية يا محمود.”
– “دي نفس الجملة اللي قلتها آخر مرة… واللي قبلها… واللي قبلها.”
كريم كان ساكت،
بس عينه كانت ماشية عليه خطوة بخطوة.
قلتله:
– “محمود… إمبارح ماكنتش أول مرة تمد إيدك عليّا.
بس كانت آخر مرة أسكت.”
محمود زعق:
– “إيه يعني؟ أخوكي جاي يهددني؟!”
كريم قال، بنبرة ثابتة ومن غير ما يرفع صوته:
– “لو كنت جاي أهدد… ماكنّاش قاعدين على ترابيزة أكل.”
محمود بلع ريقه… بالعافية.
قلتله:
– “أنا ماشية. النهارده.
وشيلي فكرة إني بطلب إذن.”
محمود اتكسر صوته:
– “إنتي اتجننتي؟! تسيبي البيت كده؟! تروحي فين؟!”
– “اللي يسيب الجحيم مش بيبقى محتار يروح فين.”
كريم ضم ضهره على الكرسي وقال بهدوء:
– “تقدر تعترض… بس مش هتعطّلها.”
محمود بدأ يتمشى…
يبرر…
يبكي…
يترجّى…
يقول إن البيت بيته…
وإن ماينفعش…
وإنها لحظة غضب…
وإنه اتغيّر…
وأنا؟
كنت ببص عليه زي واحدة بتتفرج على فيلم قديم…
عارفة نهايته.
وعارفة إنه مش هيتغير.
وأول
ما خفتش.
بعد شوية…
وقف قدامي.
منهار.
قلتله:
– “الفطار ده معمول ليك…
علشان تعرف إني ما بسيبش بدافع كره…
لكن بدافع إنّي فهمت.”
مردش.
ماعرفش.
ماقدرش.
قمت…
مسكت شنطتي…
وكريم كان جنبي.
مش كمنقذ…
كشاهد.
كحد شايفني…
ومش هيسمح بإني أختفي تاني.
فتح لي الباب.
خرجت.
والهوا برا…
كان مختلف.
خفّ…
نضيف…
وساكن.
ولأول مرة من سنين…
حسيت إن صدري بيتنفس براحته.
والباقي… هحكيله في الجزء الجاي.
اكتبيلي لو عايزة التكملة الدرامية:
– مواجهته في القسم؟
– رد فعل أهله؟
– بداية حياة نور الجديدة؟
– ولا رجوعه يتوسل؟
قولي… وأنا أكمله لك على طول.
نزلت سلالم العمارة وأنا حاسة إن كل خطوة صوتها أعلى من قلبي.
كريم كان ماشي جمبي… مش لاصق، ومش بعيد…
المسافة اللي بتحسس الست إنها مش لوحدها…
لكن كمان إنها مش ملك حد.
وأول ما خرجنا للشارع… الهوا دخل صدري زي أول نفس بعد غرق.
وقفت.
بصيت للعمارة…
للبلكونة اللي كنت دايمًا بعيّط فيها في صمت…
للنور اللي بينطفي كل
كريم قال بهدوء:
– “يلا يا نور… البيت مش هو اللي بيعمل الأمان.”
بصيتله…
وابتسمت، بس بصعوبة.
– “عارف يا كريم…
بس اللي جوا البيت… كان الخوف.”