بعد علقة جوزي
مشيّنا ناحية عربيته.
كنت ماسكة الشنطة بإيد الاتنين، مش لأنها تقيلة…
بس لأني كنت بحاول أمسك نفسي.
ركبت العربية…
ولما قفل الباب…
حسيت بصوت “تكّة” الباب زي إعلان بداية حياة جديدة.
في السكة، كريم ما اتكلمش.
كان سايبني أسمع صوت نفسي لأول مرة.
أنا اللي كسرت الصمت:
– “كريم…”
– “أيوه.”
– “أنا… خايفة.”
– “طبيعي.”
– “بس مش من محمود…
خايفة… من اللي بعدها.”
كريم لف وشيه ناحيتي، بعينه اللي دايمًا ثابتة:
– “نور…
الخوف ما يمنعش بداية…
الخوف يمنع تكرار.”
جملته جت على قلبي زي دوا بارد.
وصلنا عند بيت أمي.
كنت داخلة على حياة تانية…
مش كاملة…
بس نظيفة.
أمي أول ما شافتني…
عرفت.
الستات بتشوف الحقيقة من غير كلام.
حضنتني…
حضن طويل…
حضن اللي بيشيل عشر سنين من فوق كتافك.
– “سبق وقلتلك…
البيت اللي فيه وجع… مش بيت.”
– “كنت مستنية أقوى…”
– “وقويتي.”
عينها
على كريم، اللي واقف عند الباب، محترم حدود المكان.
أمي قالتله:
– “شكراً يا ابني… كنت خايفة عليها.”
– “متخافيش تاني يا خالتي.”
قعدت في أوضتي القديمة.
نفس السرير…
نفس الدولاب…
لكن مش نفس نور.
قعدت على السرير، ومجرد ما لمست الملاية…
دموعي نزلِت.
مش دموع وجع…
دموع خروج…
زي اللي بيطلع سم قديم من جسمه.
سمعت خبطة خفيفة.
كانت أمي.
– “عايزة تشربي حاجة؟”
– “لأ… عايزة أنام شوية.”
وغمضت عيني…
صحيت على صوت رنين.
محمود.
مسحت دموعي…
وبصيت للموبايل.
ساعتها، لأول مرة، حسيت إن قلبي مش بينبض باسمه.
قفلته.
وحطيته بعيد.
عدّى يومين.
والهدوء بدأ يثبت.
أمي جنبي.
كريم بيعدّي كل يوم يشوف لو محتاجة حاجة.
وبردو… كان محافظ على المسافة اللي تديك أمان مش ضغط.
وفي الليلة التالتة…
عملت حاجة عمري ما عملتها.
مسكت الموبايل…
وكلمت محمود.
ردّ
– “نور! أخيرًا!
أنا… أنا اتجننت عليكي… ارجعي… نصلح… أعمل أي حاجة!!”
صوته بيرتعش…
بس مش من حب.
من خسارة.
قلتله بهدوء:
– “عايزك تيجي بكرة… نخلص كل حاجة.”
– “نخلص؟ يعني إيه؟!”
– “بكرة تعرف.”
وقف…
مش فاهم.
لكن مضطر يسمع.
قفلت.
أمي سألتني:
– “هتعملي إيه يا نور؟”
– “هختم اللي بدأته…”
– “بالراحة يا بنتي.”
– “أنا رايقة يا ماما…
رايقة بطريقة عمري ما جربتها.”
**
اليوم التاني…
جاء محمود.
واقف على باب أمي زي طفل اتعاقب.
دخل…
ما بصش لحد.
قعد على الكنبة.
قعدت قصاده.
كريم واقف ورايا…
مش داخل في الحوار…
بس موجود.
محمود حاول يبتدي:
– “نور… كفاية عناد. البيت… حياتنا… ذكرياتنا…”
ضحّكت…
ضحكة مفاجئة…
ضحكة خلت وشه يصفرّ.
– “ذكريات؟
ذكريات إيه؟
صوت الخبط؟
ولا صوت بكائي اللي عمرك ما سمعته؟
ولا الذكرى اللي في كل مرة كنت
وشه وقع.
اتكسر.
أول مرة أشوفه كده.
– “أنا… غلط… وأنا–”
– “وأنا خلصت.”
طلعت ظرف من الشنطة.
حطيته قدامه.
– “ده… محامي.
وده… اتفاق.
وده… نهاية كل حاجة.”
فتح الظرف…
قلب الصفحات…
عينيه اتمليت هلع.
– “طلاق؟!”
– “أيوه.”
– “نور… بالله عليكي… لا… مش كده…”
– “أنا من يومين كنت خايفة منك…
النهاردة… مش شايفة فيك غير مشكلة هتتحل.”
حاول يمد إيده على إيادي.
كريم اتقدم خطوة.
محمود سحب إيده فورًا.
– “نور… آخر مرة… خليني أثبتلك…”
بصيتله ببرود:
– “أثبت لنفسك… مش ليا.”
وساعتها…
انهار.
الراجل اللي افتكرت زمان إنه سند…
بقى قدامي جثة نفسية.
وخرج.
قعدت ساكتة…
وبسألك:
هل خلّصت؟
لأ.
ده كان بداية السلام…
مش نهايته.
كريم قعد جنبي بعد ما محمود مشي.
قال:
– “فخورة بيكي يا نور.”
بصيتله، وقلبي لأول مرة من شهور…
ارتاح.
– “كنت فاكرة نفسي ضعيفة.”
– “أكتر حد شوفته قوي.”
– “يمكن…
بس كنت محتاجة حد يصدّق ده.”
– “وأنا مصدّق.”
كانت أول مرة…
فيها كلمة “أمان” تحسّها ملموسة.
مش من راجل.
من نفسي.
ومن إن الحكاية…
لسه مكملة.
تمت