طفلة من الشارع تتوسل ادفن أختي
تخيل أن تسير في شارع عادي بعدما خرجت من اجتماع تجاري ضخم وفجأة تستوقفك طفلة لا لتطلب مالا أو طعاما بل لتطلب منك أن تدفن أختها.
لم يكن ذلك مشهدا من فيلم بل اللحظة التي انقسمت فيها حياة سامر إلى ما قبل وما بعد.
كان سامر من أولئك الرجال الذين يبدو أنهم يمسكون بخيوط العالم بين أيديهم رئيسا تنفيذيا لإحدى كبرى شركات التكنولوجيا في ريسيفي يوقع على عقود بملايين ويعيش في شقة فاخرة تطل على البحر ويدير جدولا مزدحما لا يترك له مجالا لالتقاط أنفاسه.
الجميع يراه ناجحا أما هو فمنذ وفاة زوجته ميرا قبل ثلاث سنوات لم يكن سوى آلة تحاول البقاء.
كان يستيقظ في الخامسة فجرا يراجع التقارير قبل قهوته الأولى ويغرق في العمل كما يغرق المرء في بئر بلا قرار. فكلما شغل عقله أكثر قل المكان المتاح لذكرى امرأة لم يستطع إنقاذها.
في تلك الصباحة الخانقة من ديسمبر كانت ريسيفي تختنق بحرارتها الرطبة. كان سامر يمشي في شارع روا دا أورورا قادما من اجتماع مع مستثمرين أجانب اجتماع من المفترض أن يسعد أي رجل أعمال إلا هو. فالأرقام لا تملأ صمت منزله ولا تخفي صدى سريره الخاوي.
الباعة يصرخون بعروضهم السائحون يلتقطون الصور الموظفون يهرولون حاملين وجباتهم. كل شيء كان نابضا بالحياة أما سامر فكان يشعر أنه متفرج رمادي في فيلم لا ينتمي إليه.
إلى أن سمع ذلك البكاء.
لم يكن صراخا ولا شجارا بل نحيب خافت عميق يحمل ألما أكبر من عمر صاحبه.
كان بمقدوره أن يتجاهله كما يفعل الجميع.
لكن شيئا ما ربما صوت ميرا المدفون في ذاكرته جعله يتوقف وينصت.
كان الصوت يأتي من زقاق ضيق بين
طفلة لا تتجاوز الثامنة جالسة على الأرض القذرة شعرها ملتصق بجبينها وجهها مغطى بالتراب والدموع ملابسها ممزقة وقدماها الحافيتان مليئتان بالجروح.
وفي يديه طفلة صغيرة لا تتجاوز العامين ثابتة كدمية مكسورة.
كانت بشرتها باهتة شفاهها جافة وجسدها ساكنا بلا أي توتر يدل على حياة. وبين حرارة المكان وبرودة ذلك الجسد شعر سامر بقشعريرة تصل إلى عظامه.
رفعت الطفلة رأسها وفي عينيها البنيتين مزيج من الخوف والإرهاق وكرامة موجوعة.
وقالت بصوت متقطع
سيدي ممكن تدفن أختي الصغيرة
مابقتش تصحى وبقت باردة أوي.
مش معايا فلوس علشان الدفن بس بوعدك لما أكبر هدفعلك.
تجمد العالم.
لا سيارات. لا أصوات. لا حرارة.
فقط تلك الكلمات حادة كالسكاكين.
شعر سامر بقبضة على قلبه وبومضة أعادته إلى المستشفى يوم ماتت ميرا العجز الأجهزة عبارة لم يعد بوسعنا فعل شيء.
ابتلع غصته. نظر حوله بحثا عن أي بالغ أي أهل فلم يجد سوى زقاق وطفلة تبكي بما تبقى من قوتها.
جثا بجوارها دون أن يفكر في ثيابه الفاخرة.
مد يده ليلمس رقبة الرضيعة خائفا من تأكيد ما ظنته الصغيرة. كانت باردة ولا يعرف إن كانت تتنفس.
رجاء لا.
تمتم في داخله.
ضغط برفق يحاول العثور على نبضة مستحيلة.
واحدة أخرى
نبض ضعيف. باهت.
لكنه موجود.
إنها مش ميتة أتسمعين لسه عايشة.
اتسعت عينا الطفلة.
بجد كنت فاكرة إنها راحت السماء مع جدتي
لم يضع ثانية. أمسك هاتفه بيد مرتجفة.
هنا سامر. عندي حالة طارئة لطفلة. حضروا كل حاجة فورا أنا جايلكم.
ثم
إديني أختك لازم نمشي دلوقتي.
ترددت لحظة ثم سلمته الرضيعة كأنها تسلمه العالم كله.
التقطت كيسا بلاستيكيا مهترئا وتبعته.
خرجوا من الزقاق والمدينة تواصل ضجيجها غير مدركة أن عالمين تغيرا للتو.
الطريق إلى المستشفى كان جحيما من الازدحام. كل ثانية تشبه سكينا في صدره.
في المقعد الخلفي قالت الطفلة بصوت مبحوح
كنت باكلها قبلي دايما بس بقالها كام يوم ساكتة والنهارده مش راضية تصحى فاكراها ماتت.
شد سامر على أسنانه. لم تكن المشكلة جوعا فقط بل نظاما كاملا أهملها وناسا مثله مروا دون أن يلتفتوا.
في المستشفى كانت الفرق الطبية جاهزة.
فحوصات سريعة. أوامر عاجلة.
قال الطبيب
التهاب رئوي حاد جفاف شديد نقص وزن خطير. إلى العناية المركزة فورا.
تسليم الصغيرة للممرضة مزق صدر سامر.
هنعمل كل اللي نقدر عليه.
قال الطبيب.
لكن ذاكرته صاحت فعلنا كل ما بوسعنا الجملة التي سبقت موت ميرا.
عندها شعر بشيء يشد كفه.
كانت الطفلة لينا هكذا قالت إن اسمها تمسك بيده والخوف ينهار في عينيها.
أرجوك ما تروحش لو رحت هنفضل لوحدنا تاني.
ولأول مرة منذ سنوات شعر سامر أن جزءا من قلبه عاد لينبض.
مرت الساعات التالية ببطء قاتل أجهزة ردهات باردة قهوة مرة ولوعة لا تهدأ.
ولينا لم تفارقه. إن نهض تبعته وإن جلس اقتربت منه. رفضت الطعام إن لم يجلس معها.
جاءت موظفة الرعاية الاجتماعية دلال موريرا تحمل ملفا سميكا ونظرة خبيرة.
هل أنت قريب الطفلتين
لا. لقيتهم في الشارع. والرضيعة كانت هتموت. ماكانش في حد.
كتبت شيئا ثم قالت بلهجة جامدة
مع ذلك لا يجوز يبقوا مع رجل غريب لمجرد إنه
كانت كلمة مال تحمل اتهاما خفيا.
شعر سامر بغضب لم يعرفه منذ زمن لكن لينا كانت تنكمش على كرسيها فلم يشأ رفع صوته.
في الفجر خرج الطبيب
الصغيرة حالتها حرجة سوء تغذية شديد التهاب رئوي متقدم لكن استجابت للعلاج. لو عدت 48 ساعة فرصة نجاتها هتزيد.
انفجرت لينا بالبكاء هذه المرة دموع ارتياح.
ألقت نفسها نحوه وشعر سامر بشيء دافئ يذيب آخر طبقات الجليد داخله.
بدأت الإجراءات والتحقيقات ومحاولات العثور على أقارب
لكن الحقيقة كانت واحدة
لينا لا تهدأ إلا بوجوده.
لا تأكل إلا بقربه.
ولا تنام إلا إذا رأت ظله.
قالت دلال بحدة
متفهمة إنك اتعلقت بيها لكن في عشرات الأزواج على قوائم التبني. ماينفعش نتجاوز النظام.
تنفس سامر وقال بهدوء
مش بطلب تجاوز اسألوها هي. اسمعوها.
وفي قاعة المحكمة بعد أسابيع كان ذلك السؤال هو الذي قلب كل شيء.
كانت القاعة باردة القاضي يقلب الأوراق الادعاء متحفز والرعاية الاجتماعية تراقب.
وقفت لينا بثوب بسيط أهدته لها إحدى الممرضات ووقف سامر بجوارها ببدلته المعتادة لكن قلبه كان مكشوفا كصفحة بيضاء.
قال القاضي
نريد أن نسمع الفتاة. لينا ماذا تريدين
سكت الجميع.
نظرت لينا إلى القاضي ثم التفتت نحو سامر.
وقالت بصوت صغير لكنه ثابت
عايزة أفضل معاه.
تعالت الهمسات.
وتابعت تقول
هو لم يتركني في الشارع
هو لم يترك أختي تموت
حين كان الجميع يذهب هو بقي.
اعترض المدعي
لا يمكن اعتماد رغبة طفلة مصدومة لاتخاذ قرار كهذا.
لكن صوت سامر ارتجف للمرة الأولى وهو يقول
هذه الطفلة تعرف معنى الهجر أكثر منا جميعا. فقدت جدتها واعتنت
توقف لحظة ثم أضاف بصوت